الصدر والإطار التنسيقي وجهاً لوجه: من حمى الاستحقاق ومن فرّط به..؟!

الصدر والإطار التنسيقي وجهاً لوجه من حمى الاستحقاق ومن فرّط به..؟!
يكشف النص تباينًا بنيويًا بين التيار الصدري والإطار التنسيقي؛ إذ يسعى الأول إلى شرعية وطنية تستند للداخل، بينما يرتكز الثاني على التوافقات الخارجية، ما أدى إلى إضعاف سيادة القرار الشيعي وتحويل رئاسة الوزراء إلى نتاج تسويات إقليمية ودولية...

من منظور علم السياسة المقارن لا تُقاس قوة الفاعلين في الأنظمة الهشّة بقدرتهم على الوصول إلى السلطة فحسب بل بكيفية إنتاجهم للشرعية التي تبرّر هذا الوصول وتمنحه معنى سيادياً. وفي الحالة العراقية تمثّل المقارنة بين التيار الصدري والإطار التنسيقي نموذجاً كاشفاً لفارق بنيوي بين مشروعين سياسيين متباينين: أحدهما( الصدر ) يسعى إلى تأسيس شرعيته على الداخل الوطني والآخر( الاطار التنسيقي) يعيد إنتاج السلطة عبر دوائر الخارج بما يحمله ذلك من آثار مباشرة على مفهوم “الاستحقاق الشيعي” لرئاسة مجلس الوزراء.

ينطلق التيار الصدري من ركيزة سياسية واضحة مفادها أن الأغلبية الانتخابية يجب أن تُترجم إلى أغلبية حاكمة وأن الشرعية لا تُستكمل إلا بالاحتكام إلى الداخل: البرلمان، والشارع، والاستعداد لتحمّل كلفة القرار الوطني وعندما تعرّض هذا المسار للإجهاض عبر أدوات التعطيل الدستوري ولا سيما ( الثلث المعطِّل) لم يلجأ التيار الصدري إلى طلب التحكيم الخارجي لا من الولايات المتحدة ولا من إيران بل انسحب من العملية السياسية برمّتها حتى وإن كان ثمن ذلك خسارة موقع السلطة، في خطوة حملت دلالتين أساسيتين: الأولى، رفض تحويل الخارج إلى حكم بين القوى الشيعية، والثانية: التأكيد على أن السلطة التي تُنتزع عبر التسويات الخارجية تفقد جوهرها الوطني حتى وإن كانت دستورية شكلاً.

في المقابل يمثّل الإطار التنسيقي نموذجاً مغايراً في إدارة السلطة فمنذ لحظة تعطيل مشروع الأغلبية اتجه الإطار إلى تثبيت منطق «التوافق القسري» المدعوم بضمانات خارجية ما أدّى الى نقل مركز الثقل من داخل البيت الشيعي إلى خارجه. وبهذا المعنى لم يعد القرار السياسي نتاجاً لتوازنات داخلية بل حصيلة شبكة توافقات إقليمية ودولية حوّلت الفاعل الشيعي من صاحب قرار إلى وسيط سياسي هذا التحوّل لا يمكن تبريره بخطاب ( الاستقرار) أو ( منع الانقسام ) لأنه في التحليل البنيوي يعمّق التبعية ويؤجّل الانفجار بدل معالجته.

الأخطر من ذلك أن هذا المسار أفرغ مفهوم “

( الاستحقاق الشيعي ) من مضمونه السياسي. فحين تصبح رئاسة مجلس الوزراء رهناً بموافقة الخارج تفقد موقعها بوصفها تعبيراً عن ثقل ديموغرافي–انتخابي وتتحول إلى منصب توافقي هش يفتقر إلى استقلال القرار والقدرة على إنتاج سياسة عامة متماسكة. وبهذا لم يعد المكوّن الشيعي فاعلاً مقرِّراً بل طرفاً تفاوضياً ينتظر الإشارة رغم امتلاكه الأغلبية العددية.

ومن زاوية نقدية يمكن القول إن الإطار التنسيقي لم يحمِ المكاسب الشيعية كما يدّعي بل ساهم عملياً في إخضاع هذه المكاسب لمنطق التسويات الخارجية. فالمكسب الذي لا يُدار من الداخل ولا يُحمى بشرعية وطنية يتحول إلى عبء سياسي قابل للمقايضة مع كل تبدّل في موازين الإقليم وهذا ما يفسّر انتقال السؤال المركزي من (من هو المرشح الشيعي الأجدر) ؟ إلى ( من هو المرشح الأقل إزعاجاً للخارج) ؟.

ومن هنا لا تكمن قوة التيار الصدري في كونه انتصر سياسياً بل في كونه رفض أن ينتصر بشروط تنزع عن السلطة معناها الوطني. في المقابل تكمن إشكالية الإطار التنسيقي في أنه فضّل البقاء في السلطة على حساب تفريغها من مضمونها السيادي. وبهذا السلوك لم يُضعف الإطار خصومه فحسب بل أسهم في تآكل الموقع السياسي لرئاسة مجلس الوزراء نفسها بوصفها استحقاقاً للمكوّن الأكبر وحوّلها إلى نتاج تسوية خارجية أكثر منها تعبيراً عن إرادة شيعية داخلية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *