نايم المدلول وذاكرة الجنوب
ليست كل الأغاني أغنيات. وبعض المراثي لا يكتبها الناس للحزن وحده.
فهناك مراثٍ تتحول إلى وثائق سرية. تحفظ ما عجزت عنه دفاتر المؤرخين.
وفي جنوب العراق، حيث تمتد الأهوار مثل ذاكرة مائية لا تنضب، ولدت حكاية بقيت على ألسنة الناس جيلاً بعد جيل.
إنها حكاية رجل مات جسده، لكن حضوره بقي أقوى من الموت نفسه.
ومن قلب هذه الحكاية خرجت العبارة التي سكنت الوجدان العراقي: نايم المدلول حلوه نومته.
جاسم محمد العريبي وطريق الأهوار
كان جاسم محمد العريبي واحداً من الرجال الذين اختاروا الطريق الوعر.
عاش في زمن كانت الإمبراطورية البريطانية تحكم العراق بقوة السلاح والإدارة والهيمنة.
لجأ إلى الأهوار. وتلك المملكة الخضراء احتضنت، عبر تاريخها، الفارين من الظلم والثائرين على المستعمر.
هناك، صار القصب والبردي جدراناً لثورته. وصارت المياه المتشعبة خرائط لا يفهمها الجنود الغرباء.
لم تكن الأهوار مكاناً للاختباء فقط. بل كانت فضاءً للمقاومة، وذاكرةً حيّة، وحصناً يعرف أبناءه ولا يسلّم أسراره بسهولة.
حين جاء الموت من باب المستشفى
لكن التاريخ لا يقتل الثائر دائماً في ساحة المعركة.
أحياناً يتسلل إليه الموت من باب المستشفى.
تقول الرواية إن المرض أصاب الرجل. وقيل إن الزائدة الدودية أجبرته على الخروج من حصانة الماء إلى هشاشة الجسد.
وهناك، حيث يفترض أن يكون العلاج باباً للحياة، انتهت حكايته بالسم.
لم تقتله رصاصة. ولم تنهه مشنقة. بل جاء موته هادئاً، كما أراد خصومه أن يمر مثل خبر عابر.
غير أن أهل الأهوار كانوا يعرفون ما لا تعرفه السلطات.
كانوا يدركون أن الإنسان قد يموت، لكن الرمز لا يموت بسهولة.
الطرادة والجسد الذي صار رمزاً
أجلسوه في الطرادة، ذلك المركب الصغير الذي يستخدمه أهل الأهوار في تنقلهم اليومي.
كانت الطرادة تشبه سطراً من قصيدة شعبية.
ألبسوه الكوفية والعقال. ورتبوا هيئته كما لو أنه خارج للتو من مجلس عشائري أو رحلة صيد.
ثم أخذوا يجوبون به المياه، والقرى، والأنحاء.
كان الموت يجلس بينهم. لكنهم تعاملوا معه كما لو أنه غفوة قصيرة.
وفي تلك اللحظة، لم يعلنوا وفاة رجل فقط. بل صنعوا مشهداً شعبياً يرفض أن يمنح الموت الكلمة الأخيرة.
صوت النساء والكلمة التي غلبت الموت
من هناك خرج صوت النساء.
لم يحملن سلاحاً. ولم يملكن سلطة. ولم يكتبن بياناً سياسياً.
لكنهن امتلكن ما هو أبقى من ذلك كله: الكلمة.
قلن:
ما مات عدل لا تكولون اشمات
يشمت عدوه…
ثم جاءت العبارة التي بقيت عالقة في الوجدان العراقي:
نايم المدلول حلوه نومته
كأن النساء أردن أن ينتزعن الموت من معناه المعتاد.
فالرجل لم يعد جثة. صار نائماً.
والمدلول، في المخيال الشعبي، ليس فرداً عادياً. بل هو العزيز الذي تلتف حوله القلوب، كما يلتف الضوء حول الفجر.
لذلك، لم تكن الأغنية بكاءً فقط. بل كانت إعلاناً شعبياً بأن الهزيمة لم تقع، وأن الغائب ما زال حاضراً في ضمير الناس.
نايم المدلول من الحكاية إلى الوجدان العراقي
مثل كل النصوص الشعبية العظيمة، لم تبق أغنية نايم المدلول أسيرة زمنها الأول.
مع السنين، تحولت إلى وعاء واسع. وصارت تتسع لأحزان أخرى.
فالعراق، ذلك البلد الذي نجا من الاحتلالات، وقع لاحقاً في قبضة الاستبداد والدكتاتورية.
وعرف زمناً آخر من الموت المؤجل.
في العقود اللاحقة، لم تعد الأهوار وحدها تعرف الفقدان.
المدن أيضاً عرفت نصيبها من الوجع.
امتلأت البيوت بصور الشبان الذين ذهبوا إلى الحروب ولم يعودوا.
وانتظرت أمهات أبناءهن عند الأبواب سنوات طويلة، حتى تحول الانتظار إلى عادة يومية.
وبقيت زوجات ينصتن إلى وقع خطوات وهمية في الأزقة.
وحمل آباء شهادات الوفاة كما يحمل المرء حكماً مؤبداً بالحزن.
العراق ومشحو̣ف الحزن الكبير
كانت الحرب تبتلع الأعمار كما تبتلع الرمال آثار الأقدام.
في الحرب العراقية الإيرانية، ثم في الحروب اللاحقة، ثم في حملات القمع والتصفية والاختفاء، صار العراق كله يشبه مشحوفاً كبيراً يمضي فوق مياه الحزن.
عاد آلاف الشبان إلى أهلهم محمولين على الأكتاف.
وعاد بعضهم داخل توابيت مغلقة.
ولم يعد آخرون أصلاً.
كما وصلت بعض الجثامين في عمر الورود، كأن الحياة لم تمنح أصحابها وقتاً كافياً.
لم تمنحهم وقتاً ليخطئوا، أو ينجحوا، أو يحبوا، أو يحلموا.
وعندها استعادت الأغنية معناها القديم.
كل غائب صار مدلولاً
صار المدلول هو كل شاب غاب قبل أوانه.
وصارت كل أم تنظر إلى صورة ابنها وتهمس في سرها بأنه لم يمت، بل نام قليلاً.
كما عرف كل بيت عراقي، بطريقة أو بأخرى، طعم تلك الجملة المرة الحلوة:
نايم المدلول حلوه نومته.
ولعل سر خلود هذه العبارة أنها لا تنكر الحقيقة، ولا تستسلم لها.
إنها تعرف أن الموت وقع. لكنها ترفض أن تمنحه الكلمة الأخيرة.
لذلك تمنحه اسماً آخر. وتمنحه هيئة أخرى. وتمنحه معنى آخر.
عبقرية الوجدان الشعبي العراقي
هذه هي عبقرية الوجدان الشعبي العراقي.
فعندما تعجز السياسة عن حفظ الذاكرة، تحفظها الأغنية.
وعندما يحاول التاريخ الرسمي إغلاق الملفات، تفتحها المواويل من جديد.
وحين تتغير الحكومات، والأنظمة، والأعلام، يبقى صوت امرأة مجهولة من أعماق الأهوار أقوى من خطب الساسة.
ويبقى ذلك الصوت قادراً على عبور الزمن أكثر من بلاغات الجيوش.
فالأغنية هنا ليست فناً فقط. بل هي ذاكرة بديلة، وسجل أخلاقي، وشهادة شعبية على ما حدث.
الأهوار وصدى المجاديف القديمة
اليوم، بعد عقود طويلة، ما زالت الأهوار تحمل صدى المجاديف القديمة.
وما زالت الريح، حين تمر بين القصب، تبدو كأنها تردد شيئاً من تلك المراثي البعيدة.
وما زال العراق، بكل ما مر عليه من احتلالات وانقلابات وحروب ومقابر وأحلام مؤجلة، يحتفظ في أعماقه بصورة ذلك الرجل.
رجل جالس في الطرادة، مرفوع الرأس، تحيط به المياه والوجوه والقصائد.
لم يكن المشهد إعلاناً عن حياة رجل واحد.
بل كان إعلاناً عن عناد شعب كامل.
الخلاصة: الموت لا ينتصر دائماً في الذاكرة
تعلم هذا الشعب من تاريخه أن الموت قد ينتصر في المعركة.
لكنه لا ينتصر دائماً في الذاكرة.
ولهذا بقي المدلول نائماً فقط.
وبقيت نومته، رغم كل شيء، حلوة في عيون الذين أحبوه.
ومن هنا، لم تعد عبارة نايم المدلول حلوه نومته مجرد شطر من مرثية شعبية.
بل أصبحت طريقة عراقية عميقة لمقاومة الفناء، وحفظ الغائبين، ومنح الموت اسماً أقل قسوة من اسمه الحقيقي.


