هل قتلنا الزيدي؟ ومن يجرؤ على قول ذلك لا سمح الله!

الشراكة الاقتصادية بين الزيدي وترامب وخطر الاقتصاد الريعي العراقي
قراءة نقدية في الشراكة الاقتصادية بين الزيدي وترامب، من خطر التركيز على القطاع النفطي إلى ضعف المؤسسات، والنيوليبرالية، واختلال القوة التفاوضية مع الشركات الأمريكية...

الشراكة الاقتصادية وسؤال الصدمة العراقية

بعد كل الدعم الذي حظي به الزيدي من جميع الأضداد، وبعد أن استبشرنا به خيراً، بدا ظهوره من العدم السياسي إلى قمته حدثاً استثنائياً.

فقد ظهر كرأسمالي يتولى مهمة إعادة صياغة الاقتصاد الحديث، بالتوافق مع النهج الريعي الاشتراكي للدولة العراقية الحديثة. وكان المطلوب أن تمضي هذه الصياغة عبر خصخصة القطاعات التي تثقل كاهل الدولة، وتعزيز الناتج المحلي الإجمالي بإيراداتها، وتقليل البطالة من خلالها، وزيادة المنافع الاجتماعية من الشركات.

لكننا تفاجأنا، بل صُدمنا حقيقة، بما تناوله الإعلام العالمي عن حقيقة الشراكات الاقتصادية. فقد ظهرت نية الولايات المتحدة الأمريكية، عبر رئيسها ترامب، حين صرح بأن أولوية هذه الشراكة الاقتصادية هي الاستثمار في القطاع النفطي.

وعليه، فإن هذه النية، وإن كانت تعبر في ظاهرها عن شروع الحكومة والشركات الأجنبية في تنمية القطاع النفطي، فإن باطن هذه الاتفاقية أو الشراكة الاقتصادية يوحي لأصحاب التخصص بشيء أخطر.

إنها قد تعني تدمير الاقتصاد العراقي عبر التركيز على القطاع الأكثر ربحية بين القطاعات، وهو قطاع لا يعاني في الأصل من مشكلة تنموية حقيقية، كما أنه يمثل القطاع الريعي الأكبر الذي يغذي موازنة الدولة.

وبالتالي، فإن هذه الاتفاقيات سوف تعطينا السمكة نفسها، لا أن تعلمنا كيف نصطاد غيرها.

الشركات متعددة الجنسية وقوة التأثير

من جهة أخرى، لم تعد الشركات، ولا سيما متعددة الجنسية منها، مجرد مؤسسات أو كيانات اقتصادية تهدف إلى جمع الأرباح أو تعظيمها.

بل أصبحت، إضافة إلى ذلك، تمتلك من القدرات المالية والقانونية والتقنية ما يؤهلها لتكون اسماً كبيراً في عالم العلاقات الدولية، ورسم سياساتها الاقتصادية بما يحلو لها.

لذلك، يبرز السؤال الأهم: هل لدى العراق ما يؤهله لتحصيل المنافع المرجوة من هذه الشركات؟

خصوصاً أنه يعاني من ضعف المؤسسات، ومن انفتاح اقتصادي داخل اقتصاد ريعي نفطي فقط، لا يتمكن غالباً من تخطي الصدمات الدولية التي تعصف به.

وهل يمتلك العراق القدرة على التفاوض مع الشركات الأمريكية التي تهدف إلى الاستحواذ على قطاعه الريعي الأعلى ربحية بين جميع قطاعات الاقتصاد العراقي المنهكة؟

هنا لا يعود النقاش حول الاستثمار فقط. بل يصبح نقاشاً حول ميزان القوة، ومن يملك القرار، ومن يحدد شروط الشراكة الاقتصادية.

تقرير بريمر وترسيخ النيوليبرالية في العراق

شهد الاقتصاد العراقي سياسات تحرير الأسواق بعد تقرير الحاكم العسكري بريمر إلى مجلس الأمن في 17 تموز 2003.

وهذا التقرير، الذي لا يمكن لأي حكومة أو جهة إلغاؤه، كان بمثابة تصريح بتثبيت أركان النيوليبرالية، عبر التحول من اقتصاد الدولة المركزي إلى سوق حر.

ومن المفترض أن يعزز هذا السوق جميع قطاعات الاقتصاد، بغض النظر عن حجمها أو ربحيتها. فالدولة العراقية كانت تستطيع أن تعزز هذا النمط الحديث في الاقتصاد، بسبب ما تمتلكه من إمكانيات وموارد ريعية كبيرة.

لكن عدم تطبيق هذه السياسات بصورة صحيحة، واستغلال ضعف الدولة ومؤسساتها، والتركيز على القطاعات الأعلى ربحية، ساعد على انحراف التوجه الصحيح للاقتصاد الحديث.

ونتيجة لذلك، ظهرت تشوهات واضحة في عملية النمو الاقتصادي. كما حدث تدمير شبه تام لأغلب القطاعات الاقتصادية الأخرى.

وبالتالي، لم تتحقق مزايا السوق الحر، ولم ينتج الاقتصاد الحديث الذي كان يفترض أن يقود العراق نحو التنويع والإنتاج.

جوزيف ستيغلتز وسؤال المؤسسات

أشار الاقتصادي الأمريكي الحائز على جائزة نوبل، جوزيف ستيغلتز، إلى أنه لا يمكن تحرير الأسواق في الدول النامية قبل تطوير وبناء مؤسساتها.

فهذه المؤسسات هي التي تشرف على تنظيم الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية.

وجوهر اقتصاد السوق الحر ونجاحه، وفق هذا المنظور، لا يقوم على غياب الدولة. بل يقوم على وجود الداعم الأكبر للسوق، أي المؤسسات الحكومية التي تجعل الأسواق تعمل بكفاءة عالية.

وهنا يبرز السؤال العراقي الصعب: هل لدى العراق تلك المؤسسات القادرة على ضبط سلوك هذا النوع من الاقتصاد؟

لقد لاحظنا أثر الانفتاح الاقتصادي في العراق. فقد توسع الاستيراد فقط، حتى بعد سنوات عديدة من تقرير بريمر إلى مجلس الأمن.

وفي المقابل، حدث تراجع كبير في الإنتاج والاستثمار الصناعي.

وهذا يعني أن فتح السوق من دون بناء مؤسسات قوية لا يقود بالضرورة إلى اقتصاد حديث. بل قد يقود إلى اقتصاد مستورد، هش، وريعي، أكثر قابلية للتبعية.

قرارات غير مستدامة في الشراكة مع ترامب

تبدو قرارات الشراكة الاقتصادية مع ترامب، حسب وجهة نظري، قرارات غير مستدامة.

والسبب في ذلك هو طمعه بالقطاعات الأعلى ربحية، كما صرح بذلك، فضلاً عن ضعف الدور الحكومي الخانع في التفاوض مع الشركات الأمريكية.

فهذه الشركات تمتلك فرقاً قانونية خبيرة ومتخصصة في الاقتصاد والقانون والضرائب والتحكيم الدولي. وهذا ما يؤهلها لإعداد عقود تضمن حماية مصالحها لسنوات طويلة.

كما تمتلك هذه الشركات أدوات ضغط مالية وسياسية تجعل العراق، بحكوماته السابقة والقادمة، على استعداد دائم لتقديم تنازلات أكبر من أجل بقائها كمستثمر أجنبي في البلاد.

لذلك، ستبقى حاجة الدولة إلى نقل التكنولوجيا المطلوبة، أو تشغيل العمالة المحلية، أو زيادة الاستثمار في قطاعات أخرى داخل الاقتصاد الوطني، مرتبطة بقدرة الحكومة على فرض شروط واضحة.

وإذا لم تُلبَّ هذه الحاجات، يتحول الاستثمار الأجنبي إلى أداة استغلال، لا إلى وسيلة بناء للاقتصاد المنشود.

مستقبل الاقتصاد الريعي العراقي

يبقى مستقبل الاقتصاد الريعي العراقي مرهوناً بقدرة الدولة على بناء مؤسسات قوية قادرة على حماية مصالحها الوطنية، خصوصاً في ظل الطمع الترامبي بقطاعها الريعي.

وهنا يمكن الاستشهاد برؤية الباحث البريطاني ديفيد هارفي في كتابه «تاريخ موجز لليبرالية الجديدة».

فقد رأى هارفي أن النيوليبرالية لم تكن مجرد مشروع اقتصادي. بل كانت مشروعاً لإعادة توزيع القوة الاقتصادية لمصلحة رأس المال العالمي.

ويحدث ذلك من خلال الخصخصة، وتحرير الأسواق، وتقليص دور الدولة، بما يسمح للشركات الكبرى بتوسيع نفوذها داخل الاقتصادات الوطنية.

لذلك، فإن من أخطر النتائج المحتملة لشراكة الزيدي وترامب اختلال القوة التفاوضية. فهذا الاختلال قد يرجح كفة الشركات النيوليبرالية على حساب مستقبل العراق.

كما يسمح باستمرار تعميق الاقتصاد الريعي، بدلاً من تقليصه.

الشراكة الاقتصادية وتعميق الريعية

عندما يستمر الطمع الأمريكي بأرباح القطاع الريعي في العراق، ويتركز على نهب الموارد الطبيعية من دون تطوير الصناعة والزراعة وحتى المجال التكنولوجي، فإن الأمور ستزداد سوءاً في المستقبل.

وسيظل الاعتماد على النفط قائماً لتعزيز الموازنة.

وفي المقابل، ستتراجع مساهمة القطاعات الأخرى في الناتج المحلي الإجمالي. كما ستضعف فرص التنويع الاقتصادي.

وعندها، تصبح هذه الشراكة المزعومة عاملاً رئيسياً في زيادة ترسيخ الريعية، لا وسيلة لجعلها هامشاً في اقتصاد متنوع وحديث، كما ادعت الحكومة في بداياتها.

وهنا تتكشف خطورة الشراكة الاقتصادية حين تكون بلا شروط وطنية. فهي لا تغير بنية الاقتصاد، بل تعيد إنتاج الخلل نفسه بغطاء استثماري جديد.

هل يتوقف الأثر عند المستوى الاقتصادي؟

هل سيتوقف أثر ذلك على المستوى الاقتصادي فقط؟

أكيد لا.

فالأثر يمتد إلى التأثير في السياسات العامة بصورة غير مباشرة. فكلما كانت الشراكة أقوى، أصبحت الشركات أكثر قدرة على الدفاع عن مصالحها عبر الوسائل الدبلوماسية.

وبالتالي، تستطيع الضغط من أجل تشريعات ضريبية ملائمة لوجودها، بدلاً من أن تكون هذه التشريعات في مصلحة الاقتصاد الوطني.

فحجم شراكة هذه الشركات في القطاع الاستراتيجي للدولة يمنحها وزناً كبيراً يصعب تجاهله لدى صانعي القرار الاقتصادي في البلد.

وهكذا تتحول الشركات من مستثمر اقتصادي إلى طرف مؤثر في السياسات العامة، وفي التشريعات، وفي أولويات الدولة.

تجارب كوريا والصين وماليزيا

بالنظر إلى التجارب الأخرى في هذا المضمار، نلاحظ أن بعض الدول، مثل كوريا الجنوبية والصين وماليزيا، لم تترك أسواقها تعمل بحرية مطلقة.

بل عملت هذه الدول على خلق سياسات صناعية واضحة. وربطت الاستثمار الأجنبي بنقل التكنولوجيا، وتنمية الصناعات المحلية، وتعزيز القدرات التنافسية الوطنية.

وهذا يتماشى مع ما أكد عليه الاقتصادي داني رودريك. فهو يرى أن نجاح العولمة لا يعتمد على تحرير الأسواق وحده.

بل يعتمد على قدرة الدولة على إدارة الانفتاح الاقتصادي بما يخدم أهدافها التنموية.

ومن هنا، لا تكمن المشكلة في الشراكة الاقتصادية من حيث المبدأ. بل في غياب الدولة القادرة على إدارتها، وتوجيهها، وفرض شروطها، وحماية اقتصادها الوطني.

الاستثمار الأجنبي ليس عدواً ولا ضماناً

أخيراً، لا يمكن الجزم بأن الاستثمار الأجنبي، أو الشراكة موضوع المقال، عدو للتنمية في العراق.

لكنها، في الوقت نفسه، ليست ضماناً لها.

لماذا؟

لأن الاستثمار الأجنبي، بصورة عامة، يصبح أداة للنهوض الاقتصادي عندما تكون الدولة قادرة على إدارة هذا الاستثمار لمصلحتها.

كما يجب أن تستطيع الدولة إعادة هيكلة قطاعاتها، وتقوية موقعها في التفاوض مع الشركات النيوليبرالية، وفرض إرادتها حسب أولويات المصلحة الوطنية.

أما عدا ذلك، فيتحول العراق إلى متلقٍ للشروط الأمريكية وشروط شركاتها.

وفي هذه الحالة، يجري تسيير الوضع الاقتصادي وفق مصلحة تلك الشركات، عبر لوبياتها القوية داخل الحكومات الأمريكية.

وبذلك، فإن ضعف الدولة بصورة عامة، وهشاشة المؤسسات الحكومية، قد يقودان إلى تعميق الاقتصاد الريعي، وإنتاج التبعية الاقتصادية.

الخلاصة: من يكون الأقوى على طاولة التفاوض؟

إن مستقبل دولتنا يتمثل في قدرة الحكومة وقوتها التفاوضية.

فإما أن تكون الطرف الأقوى على طاولة التفاوض مع الشركات الأمريكية الطامعة بخيرات العراق وموارده الطبيعية، وإما أن تتحول إلى طرف يتلقى الشروط ويبررها.

إن الشراكة الاقتصادية ليست خطراً إذا امتلك العراق مؤسسات قوية، وسياسات واضحة، وقدرة على فرض نقل التكنولوجيا، وتشغيل العمالة المحلية، وتنمية القطاعات غير النفطية.

لكنها تصبح خطراً إذا تحولت إلى بوابة للاستحواذ على القطاع الريعي الأعلى ربحية، وترك بقية القطاعات منهكة ومهمشة.

لذلك، فالسؤال ليس: هل نحتاج إلى الاستثمار الأجنبي؟

السؤال الحقيقي هو: هل نملك دولة قادرة على تحويل الاستثمار إلى تنمية، أم نملك دولة ضعيفة تسمح بتحويل التنمية إلى تبعية؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *