زيارة الزيدي ورسالة الوفد العراقي
لم تكن زيارة الزيدي إلى واشنطن، الأسبوع الماضي، مجرد محطة بروتوكولية عابرة. كما لم تكن رحلة عادية لرجل تولى منصبه قبل أشهر قليلة فقط.
فعندما يختار رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي العاصمة الأميركية وجهة أولى لزياراته الخارجية، فهو يرسل رسالة سياسية واضحة. وعندما يصطحب وفداً يضم سبعة وعشرين وزيراً ومسؤولاً رفيع المستوى، تصبح الرسالة أكبر من أي تفسير بروتوكولي.
ضم الوفد وزراء النفط، والكهرباء، والتجارة، والخارجية. كما ضم محافظ البنك المركزي، ومستشار الأمن القومي، ونخبة من رجال الأعمال.
لذلك، لا يبدو هذا الوفد دبلوماسياً بالمعنى التقليدي. بل يبدو وفداً تفاوضياً اقتصادياً بامتياز.
ومن هنا، تفرض زيارة الزيدي سؤالاً أكثر جرأة من الترحيب الرسمي بها: ماذا يحمل هذا الوفد إلى الطاولة الأميركية؟ وماذا ينتظر منه أن يقدمه مقابل ما يسعى إلى الحصول عليه؟
الاستثمارات الأميركية وسؤال الحاجة العراقية
تبدو الإجابة الأولية بسيطة على السطح.
فالعراق يبحث عن استثمارات أميركية جديدة في قطاعات النفط، والغاز، والكهرباء، والتكنولوجيا، والبنى التحتية.
وقد تراكمت حاجة العراق إلى هذه الاستثمارات بعد سنوات طويلة من التعثر. فقد أضعفت البنية التحتية، وتردت الخدمات العامة، واستمر الفساد المؤسسي المزمن.
غير أن هذا التفسير، رغم صحته الجزئية، يتجاهل السياق الأخطر المحيط بالزيارة.
فالعراق يذهب إلى واشنطن وهو يعاني أصلاً أزمة مالية حقيقية. وقد تفاقمت هذه الأزمة بعد توقف جزء كبير من صادراته النفطية عبر مضيق هرمز، إثر التصعيد العسكري الأخير بين واشنطن وطهران.
وحين يعتمد اقتصاد بلد كامل على النفط بنسبة تقارب 90% من إيراداته، يصبح موقعه التفاوضي هشاً.
وحين يمر الجزء الأعظم من هذه الصادرات عبر ممر مائي تحول إلى مسرح صراع إقليمي مفتوح، لا يمكن فصل الحديث عن جذب الاستثمارات عن حقيقة أساسية: بغداد تفاوض من موقع الحاجة، لا من موقع الندّية.
زيارة الزيدي بين الفائض والعجز
هنا تكمن المفارقة الأعمق.
فالعراق لا يذهب إلى واشنطن حاملاً فائضاً يريد استثماره. بل يذهب حاملاً عجزاً يريد سدّه.
وبين الحالتين فارق جوهري في موازين التفاوض.
ومن بين الملفات المطروحة على الطاولة إنشاء صندوق يودع فيه العراق نصف مليون برميل من النفط يومياً، مقابل الحصول على دعم أميركي لتعزيز إمدادات الكهرباء.
تستحق هذه الصيغة قراءة نقدية متأنية.
هل نحن أمام استثمار مشترك بالمعنى الاقتصادي الدقيق؟ أم أمام تسييل مقنن لثروة نفطية مستقبلية مقابل حاجة آنية ملحة؟
الفارق بين الصيغتين ليس شكلياً. بل يحدد من يملك اليد العليا في العلاقة على المدى الطويل.
الحساب السيادي في نيويورك وأداة الضغط المالي
يضاف إلى ذلك بعد مالي أقل ظهوراً في الخطاب الرسمي. لكنه لا يقل أهمية عن ملفات النفط والاستثمار المباشر.
يحتفظ العراق بمعظم عائداته النفطية في حساب سيادي لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.
ويقوم هذا الترتيب منذ عام 2003. لكنه لم يخضع حتى اليوم لمراجعة جدية تناسب المرحلة التي يفترض أن العراق تجاوزها.
يمنح هذا الترتيب واشنطن أداة ضغط مالية نادراً ما يناقشها الاقتصاد العراقي بما يكفي.
فواشنطن تستطيع عملياً تشديد الرقابة على التحويلات. كما تستطيع تقييد وصول المصارف العراقية إلى الدولار.
وقد شهدنا نموذجاً مصغراً لهذه الأداة في نيسان الماضي. حين أوقفت واشنطن شحنة نقدية بقيمة خمسمئة مليون دولار، قبل أن يوافق العراق على ضوابط إضافية لاستئنافها.
لذلك، عندما نطرح سؤال السيادة الاقتصادية في سياق زيارة الزيدي، يجب أن نضع الحساب السيادي في نيويورك في صلب النقاش، لا في هامشه.
الاقتصاد تحت سقف الأمن وحصر السلاح
الأخطر من ذلك أن الملف الاقتصادي كله يرتبط فعلياً بملف أمني لا يقل تعقيداً.
هذا الملف هو حصر السلاح بيد الدولة، وإنهاء نفوذ الفصائل المسلحة الموالية لإيران.
يقدم الخطاب الرسمي العراقي هذا الملف بوصفه مقدمة أساسية للاستقرار الداخلي وتعزيز النمو الاقتصادي.
وهذا الربط منطقي من حيث المبدأ. لكنه يكشف، في الوقت نفسه، أن الانفتاح الاقتصادي على واشنطن لا يتحرك كمسار اقتصادي خالص.
بل يرتبط بتقدم سياسي وأمني هش. وتعارضه فصائل مسلحة وازنة ترى في هذا التقارب استبدالاً للاحتلال العسكري باحتلال اقتصادي أكثر خطورة.
وسواء اتفقنا مع هذا الوصف أو اختلفنا معه، فإن استخدامه من طرف محلي مؤثر يكشف حجم الانقسام الداخلي حول جدوى هذا المسار.
ولا يستطيع أي تحليل اقتصادي جاد أن يتجاهل هذا الانقسام.
جنرال إلكتريك واختبار الكهرباء العراقي
لعل أفضل اختبار لجدوى الاستثمارات الأميركية لا يكمن في نيات الوفود. كما لا يكمن في نصوص مذكرات التفاهم.
الاختبار الأوضح يظهر في السجل الفعلي لأكبر شريك أميركي حاضر في قطاع الكهرباء العراقي منذ نحو عقدين: شركة جنرال إلكتريك.
بدأ هذا الحضور بعقدها الأول مع وزارة الكهرباء العراقية في كانون الأول 2008، بقيمة ثلاثة مليارات دولار.
ثم جاء عقد عام 2016 بكلفة 328 مليون دولار.
بعد ذلك، وُقع اتفاق إطاري استراتيجي في العام نفسه.
ثم جاء عقد إنشاء محطتين في جنوب العراق بقيمة 1.49 مليار دولار عام 2017.
ووصل المسار إلى الاتفاقية الأضخم في تاريخ قطاع الكهرباء العراقي، والتي وقعت في آذار 2025.
ومع كل حكومة عراقية تقريباً منذ عام 2003، تكرر المشهد نفسه: توقيع، ومؤتمر صحفي، ووعود برفع القدرة الإنتاجية بآلاف الميغاواطات.
الأموال الكبيرة والنتائج الصغيرة
لكن ماذا تقول النتيجة على الأرض؟
أنفق العراق ما يقارب ثمانين مليار دولار على قطاع الكهرباء منذ عام 2003.
ومع ذلك، لا يزال الطلب الأقصى يتجاوز خمسين غيغاواط. وفي المقابل، نادراً ما يتخطى التوليد الفعلي ثلاثة وعشرين غيغاواط.
وفوق ذلك، تبتلع خسائر التوزيع، الناتجة عن تقادم الشبكة والفساد الإداري، نحو ثلث الطاقة المولدة أصلاً.
أما المواطن العراقي، وهو الحكم الأخير على جدوى أي استثمار، فلا يزال يعتمد على المولدات الأهلية في غالبية ساعات اليوم.
وهذا الواقع يكشف فجوة صارخة بين حجم الأموال المعلنة في هذه العقود وأثرها الفعلي في حياة الناس اليومية.
العقد التجاري كأداة نفوذ
تزداد الدلالة عندما نستحضر تصريحاً سابقاً لمسؤول في الخارجية الأميركية.
فقد قال إن توظيف الشركات الأميركية، مثل جنرال إلكتريك، يمثل عنصراً أساسياً في استراتيجية واشنطن لتوسيع الروابط الاقتصادية.
هذا التصريح يضع الأمور في نصابها الحقيقي.
فالعقد هنا ليس مجرد صفقة تجارية بين وزارة ومورد. بل هو أداة ضمن استراتيجية نفوذ أوسع، بصرف النظر عن أثرها الفعلي في ساعات التجهيز التي يقيس بها المواطن نجاح أي حكومة.
وحين تتكرر الصفقة ذاتها مع كل دورة حكومية، ولا يتغير واقع الانقطاع المزمن، يصبح السؤال مشروعاً.
هل ما زلنا أمام استثمار اقتصادي بالمعنى الدقيق؟ أم أمام طقس سياسي متكرر يعيد العراق إنتاجه في كل زيارة إلى واشنطن، بصرف النظر عمن يشغل منصب رئيس الوزراء؟
زيارة الزيدي: تنمية أم فروض طاعة؟
يقودنا ذلك إلى السؤال الذي يجب أن يتصدر أي قراءة نقدية لزيارة الزيدي.
هل ذهب الوفد العراقي إلى واشنطن فعلاً من أجل تنمية اقتصادية بالمعنى الإنتاجي والتنموي الحقيقي؟
أم ذهب لتقديم فروض الطاعة السياسية في ثوب اقتصادي؟
فعندما يضم الوفد وزراء أمنيين وسياديين بهذا الحجم، لا فنيين ومستثمرين فقط، يصبح السؤال مشروعاً.
وعندما تطرح ملفات مثل نصف مليون برميل نفط يومياً في صندوق مقابل كهرباء، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً.
وعندما يتزامن التوقيت مع ضغوط أميركية مباشرة على ملفي حصر السلاح والتحويلات الدولارية، يصعب فصل لغة الشراكة الاستراتيجية عن لغة الولاء السياسي المطلوب إثباته لواشنطن في لحظة إقليمية بالغة الحساسية.
وربما يكون الأصدق منهجياً أن نتعامل مع هذه الزيارة، ومع زيارات مماثلة طوال عقدين، لا بوصفها تنمية خالصة أو تبعية خالصة.
بل يجب أن نقرأها بوصفها مزيجاً متفاوتاً بين الاثنين.
وتحدد النسبة الفعلية في هذا المزيج قدرة بغداد على تحويل العلاقة من التماس الحماية السياسية إلى بناء اقتصاد إنتاجي حقيقي.
والمعيار هنا بسيط: هل يشعر المواطن بهذا الاقتصاد في فاتورة كهربائه اليومية، أم يراه فقط في نشرات الأخبار المسائية؟
احتمال التحول الاستراتيجي
ثمة من يرى في زيارة الزيدي بداية تحول استراتيجي حقيقي.
وقد يخرج هذا التحول العراق من ثنائية النفط مقابل الأمن، التي حكمت علاقته بواشنطن لعقدين كاملين.
كما قد ينقله نحو شراكة أوسع تشمل التكنولوجيا، والاقتصاد الرقمي، والبنى التحتية.
ولا ينبغي استبعاد هذا الاحتمال.
فتوسيع الوفد المرافق ليشمل قطاعات اقتصادية متنوعة، لا ملفي النفط والأمن فقط، يمثل مؤشراً لافتاً على نية جادة في إعادة تعريف العلاقة.
لكن بين النية والتحول الفعلي مسافة طويلة.
وتقاس هذه المسافة بمعايير ملموسة.
هل ستتحول الزيارة إلى اتفاقات استثمارية متوازنة تحمي المصلحة العراقية على المدى الطويل؟
أم ستكرس نمطاً تفاوضياً يستغل حاجة بغداد الآنية لانتزاع تنازلات مالية وسياسية بعيدة المدى؟
اختبار الحكومة العراقية
لن تحسم الإجابة عن هذا السؤال في أروقة البيت الأبيض.
بل ستحسمها قدرة الحكومة العراقية على فصل الملف الاقتصادي عن الابتزاز السياسي.
كما تحسمها قدرة بغداد على إدارة علاقتها مع طهران وواشنطن معاً، من دون أن تتحول إلى رهينة لأي منهما.
فالتنمية الاقتصادية الحقيقية لا تقوم على وفود ضخمة تحمل عروضاً سخية لضيوفها الأميركيين.
بل تقوم على مؤسسات وطنية قادرة على التفاوض من موقع الندّية.
وهذا اختبار لا تزال بغداد بعيدة عن اجتيازه بثقة.
لذلك، تبقى زيارة الزيدي إلى واشنطن اختباراً مفتوحاً. فهي قد تفتح باب تنمية اقتصادية حقيقية، إذا امتلك العراق قراره وشروطه. وقد تعيد إنتاج التبعية، إذا ظل يفاوض من موقع الحاجة والخوف.


