السقوط التاريخي : السعودية وفقدان الزعامة الدينية للبيت السني

السقوط التاريخي : السعودية وفقدان الزعامة الدينية للبيت السني
في المقابل، يقدّم الفكر الشيعي نموذجاً مختلفاً لقيادة الأمة، قائماً على أسسٍ سماوية رصينة. فولاية الأمر في المذهب الجعفري ليست مُلكاً بشرياً قائماً على القوة أو المصلحة...

مقدمة: بين الواقع والتاريخ

في كل عام، تطفو على السطح قضايا تمسّ الوحدة الإسلامية، لكن ما حدث في عيد الفطر المبارك لهذا العام كان مختلفاً. فقد كشف الخلاف حول رؤية هلال شوال عن أزمة عميقة في المرجعية الدينية للمملكة العربية السعودية، التي طالما ادعت قيادة البيت السني. هذا الحدث لم يكن سوى حلقة في سلسلة أخطاء تاريخية، تُجسِّد تهاوي أساسات بنيت على اجتهادات مقطوع بعدم صحتها، وفكرٍ أيديولوجي مُتطرف، ابتعد عن الإسلام الأصيل.

رؤية الهلال: رمزية الأزمة

مسألة رؤية الهلال ليست مجرد مسألة فلكية أو فقهية، بل هي اختبار لمصداقية أي دولة في تمثيل الإسلام. الأخطاء المتكررة في إثبات الشهور القمرية، والتي أدت إلى اختلاف السعودية مع غالبية الدول الإسلامية هذه المرة، تكشف عن خلل منهجي. هذا الخلل ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج تراكمات عقود من الاجتهادات المُتشددة التي تفتقر إلى الدقة العلمية والشرعية، وتستند إلى تفسيرات ضيقة للنصوص، تُكرِّس الانقسام بدلاً من الوحدة.

الوهابية: الإطار الفكري الهش

لا يُفهم هذا السقوط إلا بالعودة إلى البنية العقائدية التي تقوم عليها السعودية، والمتمثلة في الفكر الوهابي السلفي. هذا الفكر، الذي انبثق في القرن الثامن عشر، قام على تأويلات متشددة للإسلام، تحمل في طياتها نزعة تكفيرية تجاه الآخر، حتى لو كان من المسلمين. لقد تحوّل هذا الفكر إلى أداة سياسية لخدمة السُلطة الحاكمة، بدلاً من أن يكون مرجعية روحية للأمة. وهنا مربط الفرس: حين يختزل الدين في الولاء للسلطة، ويُهدر الإجماع الإسلامي لصالح قرارات أحادية، فإن الشرعية الدينية تتحول إلى أداة هشة قابلة للانهيار عند أول اختبار.

الاستكبار العالمي وخيانة القضية

لا ينفصل سقوط السعودية الديني عن تحالفها الواضح مع قوى الاستكبار العالمي، والتي تُعارض مصالح الأمة في فلسطين والعراق واليمن ولبنان وغيرها. فالشعوب لم تعد تغفل عن حقيقة أن بعض القيادات ركنت إلى دعم الطغاة، وضحت بالثوابت الإسلامية في سبيل الحفاظ على مصالحها، بل هذايكشف انهم صنيعة للغرب . هذه الخيانة لم تعد خافية، خاصةً مع تزايد الوعي الجماعي الذي يربط بين الانحراف العقدي والانحراف السياسي.

الفكر الشيعي: النموذج الأصيل

في المقابل، يقدّم الفكر الشيعي نموذجاً مختلفاً لقيادة الأمة، قائماً على أسسٍ سماوية رصينة. فولاية الأمر في المذهب الجعفري ليست مُلكاً بشرياً قائماً على القوة أو المصلحة، بل هي استمرار لخط النبوة عبر أئمة معصومين، اختارهم الله تعالى لقيادة الأمة روحياً وسياسياً. هذا النموذج يحفظ الإسلام من التحريف، ويجسّد العدالة كمنهج، لا كشعار. خاتمة: دعوة إلى إعادة القراءة ما حدث مع السعودية هو جرس إنذار للأمة: أن أيّ زعامة لا تقوم على الحق المطلق، والشرعية الإلهية، والالتزام بقضايا المستضعفين، هي زعامة مؤقتة. على الشعوب الإسلامية أن تعيد قراءة تاريخها بعينٍ نقدية، وأن تبحث عن الجذور الحقيقية للإسلام، التي حُفظت في مدرسة أهل البيت (ع)، بعيداً عن الأهواء السياسية والتأويلات المُتطرفة. فالدين ليس مِلكاً لأحد، بل هو رسالة سماوية، والتمسك بها يحتاج إلى قيادةٍ معصومة، لا إلى فتاوى تُغيّرها الرياح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *