هشاشة الهيكل الاقتصادي
يعاني الاقتصاد العراقي من “انكشاف هيكلي” مفرط تجاه الأسواق العالمية، كونه اقتصاداً ريعياً يعتمد بنسبة تزيد عن 90% من إيراداته على النفط. هذا الاعتماد يجعل السوق المحلي عرضة لـ الدورات الاقتصاديةالناتجة عن تذبذب أسعار الخام. عندما يدخل الاقتصاد العراقي في حالة ركود (سواء كان ركوداً تضخمياً أو ناتجاً عن انكماش وانحسار السيولة النقدية) تكون الفئة الأكثر تضرراً هي العمالة غير الرسمية أو ما يعرف بـ الأجراء اليوميين والذين يمثلون شريحة واسعة من القوة العاملة في قطاعات البناء، النقل، والتجارة البسيطة.
أولاً: آلية انتقال أثر الركود إلى العامل اليومي
في فترات الركود، تتقلص النفقات الاستثمارية الحكومية وتتوقف المشاريع التنموية. وبما أن الدولة هي المحرك الأساسي للسيولة، فإن توقفها يؤدي إلى اثر الاتي
1-قطاع الإنشاءات هو المشغل الأكبر للعمالة اليومية. بمجرد حدوث ركود، تتوقف حركة البناء والترميم، مما يفقد آلاف العمال يوميتهم فوراً.
2- تراجع القوة الشرائية الركود غالباً ما يصاحبه انخفاض في الطلب الكلي، مما يعني أن المهن الحرة (الباعة الجوالين، الحمالين، أصحاب المهن اليدوية) يواجهون تراجعاً حاداً في الإيرادات اليومية.
ثانياً: تحليل انعكاسات الركود على القوى العاملة (الأجر اليومي)
1– انعدام الأمان الاجتماعي والوظيفي
على عكس موظفي القطاع العام الذين يتمتعون بحماية الرواتب الثابتة، يفتقر العامل اليومي في العراق إلى أي شكل من أشكال “المصدات الاقتصادية”. لا توجد عقود عمل، ولا تأمين صحي، ولا رواتب تقاعدية. في حالة الركود، يتحول هؤلاء من فئة “العاملين” إلى فئة “العاطلين” في غضون أيام قليلة من توقف العمل.
2- فخ “الأجور المتدنية” والمنافسة الشرسة
أثناء الركود، يزداد عرض العمالة مقابل انخفاض الطلب. هذا الخلل في التوازن يؤدي إلى انخفاض قيمة الأجر اليومي لمستويات لا تلبي الحاجات الأساسية (الحد الأدنى للمعيشة). يضطر العامل لقبول أي أجر مهما كان زهيداً لتأمين “قوته اليومي”، مما يعزز حالة الفقر المدقع.
3-التضخم وتآكل الدخل الحقيقي
إذا كان الركود ناتجاً عن انخفاض قيمة العملة المحلية (كما حدث في تغييرات سعر الصرف السابقة)، فإن العامل اليومي يُضرب مرتين: مرة بفقدان فرص العمل، ومرة بارتفاع أسعار السلع الأساسية. وبما أن دخله غير ثابت وغير محمي بزيادات سنوية، فإن قدرته على شراء الغذاء والدواء تتآكل بشكل ديناميكية.
ثالثاً: التبعات الاجتماعية والاقتصادية الكلية
إن تضرر العمالة اليومية ليس أزمة فردية، بل هو أزمة “اقتصاد كلي”:
اتساع فجوة التفاوت الطبقي و الركود يعمق الفجوة بين الموظف الحكومي المحمي والمواطن الكادح في “المسطر” (تجمعات العمال)، مما يهدد السلم المجتمعي. كما تزداد
المديونية الشخصية يضطر هؤلاء العمال للاقتراض بفوائد أو اللجوء للديون الاستهلاكية، مما يرهق مستقبلهم المالي ويقيد قدرتهم على الخروج من دائرة الفقر لاحقاً.
رابعاً: الاستنتاج والحلول المقترحة
إن واقع السوق العراقي يثبت أن الركود ليس مجرد أرقام في الموازنة، بل هو “أزمة بقاء” لآلاف العائلات التي تعيش على الأجر اليومي. لمعالجة هذا الخلل، يتطلب الأمر:
١- تفعيل صندوق الضمان الاجتماعي للقطاع الخاص وغير المنظم ليشمل الأجراء اليوميين.
٢- تحويل العمالة من قطاع الخدمات البسيط إلى قطاعات إنتاجية (صناعة وزراعة) أكثر استقراراً عبر قروض ميسرة.
٣- تأسيس صندوق طوارئ حكومي يدعم الفئات الهشة في فترات الانكماش الاقتصادي لضمان الحد الأدنى من الأمن الغذائي.
الخلاصة
يبقى العامل اليومي في العراق هو “ممتص الصدمات” الأول والأضعف في مواجهة أي انتكاسة اقتصادية، ما لم تتحرك السياسات المالية لتوفير غطاء قانوني ومالي يحمي كرامة هذه الفئة وقوتها اليومي.


