إنَّ الدولة هو كيان مستقل يتمتع بالاستقلالية ويعيش عليه مجموعة أفراد على رقعة جغرافية محددة وتحكمه فئة محددة، إذ لا يمكن قيام الدولة إلا بتوفر مجموعة من العوامل التي تساهم في بناء هذا الكيان، ومن هذه العوامل هو وجود عقد بين الفئة الحاكمة والفئة المحكومة من أجل إدارة موارد الدولة، فضلًا عن حفاظها لأمن وسلامة أفراده وحدوده وأرضه، وهذا يأتي عن طريق وجود جيش قوي ومسلح بأسلحة التي من شأنها أنْ تسهم في حماية هذا الكيان.
يتمتع العراق بموقع استراتيجي مهم، ذلك لكونه يربط بين ثلاثة قارات وهي: آسيا وأوروبا وإفريقيا، فضلًا عن كونه ممر جوي مختصر يربط بينها، وإذا أخذنا بنظر الاعتبار التحدي الأول، وهو التحدي الاقتصادي، فلا بد للرئيس الوزراء المقبل الاهتمام بالربط السككي بين آسيا وأوروبا عن طريق العراق مرورًا بتركيا، فهذا الربط سينعش الاقتصاد العراقي كثيرًا، مع الاهتمام بإنشاء الطرق السريعة لمرور شاحنات النقل، وأنَّ هذا الإجراء سيخفف كثيرًا من كاهل ثقل العامل الاقتصاد العراقي المعتمد بصورة كلية على النفط، أي اقتصاد ريعي، وإذا فكر العراق بتنويع اقتصاده، هنا لابد من الاهتمام بطريق الحرير وطريق التنمية مع ربطهما بميناء الفاو، أنَّ هذا الأمر سينعش الاقتصاد العراقي ومما سيخلق فرص عمل عديدة. وفي الوقت نفسه على الرئاسة الجديدة الاهتمام بالاقتصاد الخاص وتنميته وتطويره من أجل ازدهاره؛ لأنَّ ازدهار القطاع الخاص سيولد العديد من فرص العمل، مما يخفف الضغط على الحكومة في مسألة التوظيف، فضلًا عن استرجاع ثقة الشعب بالحكومة.
ومن التحديات التي تواجه الحكومات السابقة هي فوضى اتخاذ القرار، إذ إنَّنا نجد في كثير من الأحيان اتخاذ قرارات غير مدروسة، ومن ثم بعد أيام معدودات يتم إلغاء هذا القرار، وبرأيي أنَّ السبب الرئيس في ذلك هو الاعتماد على مجموعة كبيرة من المستشارين غير المؤهلين وغير الكفؤين ولا يتملكون رؤية واضحة لمشروع بناء دولة أو على مستوى بناء دولة مؤسسات لا تتأثر كثيرًا بالتحديات السياسية، وعليه لابد للرئاسة القادمة الاهتمام بإنشاء مراكز دراسات استقصائية التي من شأنها توفير دراسات في مختلف الاختصاصات وتقدمها لمجلس رئاسة الوزراء من أجل الاطلاع عليها ومعرفة التحديات الحقيقية في العراق وسبل معالجتها بدلًا من اتخاذ رأي لمستشار ما ولمعرفة مدى القبول به أم لا يتم بث الخبر ومراقبة ردود فعل اتجاه هذا الخبر. وللتأكيد أنَّ إنشاء مثل هذه المراكز البحثية والاهتمام بها هو ممكن أنْ يكون أقل تكلفة من تعيين جيش كامل من المستشارين والعاملين معهم وهم بلا فائدة تذكر.
إما على المستوى الأمني، لابد للرئاسة القادمة الاهتمام بهذا الملف بكونه يمس أمن الفرد العراقي وحفظه، وعلى القيادة الأمنية توضيح فلسفتها العسكرية الدفاعية والهجومية في هذا الشأن، ولاسيما الاهتمام بالتطور التكنولوجي في الصناعة الحربية، وترك الفلسفة العسكرية البالية المعتمدة على إنشاء أكبر عدد من أفراد الجيش من أجل الدفاع عن العراق، نعم من الممكن أنَّ التعبئة العددية مهمة في حالات ضرورية، ولكن في الوقت نفسه أنَّ لم تعد الكثير من الجيوش تهتم بكثرة العدد، وإنَّما الاهتمام بتطوير العدة العسكرية، فبدلًا من بعث آلاف الجنود لضرب موقع حيوي، ببساطة من الممكن إرسال مئات المسيرات التي سيكون تأثيرها أشد وطأة وأكثر فائدة وأقل تكلفة عسكرية. ولذلك لابد من الاهتمام بهذا الملف المهم، وتغير طريقة التفكير للقيادة الأمنية مع المتغيرات الحاصلة في الواقع.
ومن التحديات المهمة هو التحدي الإداري، ذلك لأنَّ الكثير من المؤسسات الحكومية تعتمد الروتين الإداري القاتل في عملها، ولا تتميز بالمرونة الإدارية، وهذا الأمر يؤدي إلى إرباك عمل الكثير من المؤسسات فضلًا عن عدم تطورها، وإنَّما قد يؤدي إلى تهالكها وتدهورها في العمل الإداري، وعليه لابد للرئاسة القادمة الأخذ بنظر الاعتبار هذا الجانب، وتوجيه إدارة هذه المؤسسات بتغيير طريقة تعاملهم الإداري وأنْ يكونوا أكثر مرونة في تأتية واجباتهم، وتسهيل العمل لتحقيق فائدة أكبر.


