لعبة السقف العالي: كيف فرض المالكي إيقاعه على الإطار التنسيقي؟

لعبة السقف العالي كيف فرض المالكي إيقاعه على الإطار التنسيقي؟
شهدت الساحة السياسية مناورة معقدة أعادت تشكيل موازين القوى، حيث استُخدم التصعيد التكتيكي لإقصاء المنافسين ومنع ترسيخ نفوذ متصاعد، وصولاً إلى فرض تسوية تضمن توازن القرار وتمنع احتكار السلطة داخل الإطار السياسي...

لم يكن طرح اسم السيد نوري المالكي في سباق رئاسة الوزراء خطوة عابرة أو تعبيراً عن طموح شخصي متأخر، بل جاء كجزء من مناورة سياسية دقيقة أعادت تشكيل مسار التنافس داخل “الإطار التنسيقي”. فمنذ اللحظة الأولى، بدا أن الرجل لا يلعب وفق قواعد الفوز التقليدي، بل وفق منطق مختلف يقوم على رفع سقف الصراع إلى أقصاه، ثم إجبار الجميع على النزول إلى نقطة توازن يحددها هو.

في خضم هذا المشهد، لم تكن المواجهة محصورة بين أسماء مرشحين، بل بين إرادات تسعى كل منها لفرض معادلتها داخل البيت السياسي الشيعي. ومع تصاعد حظوظ محمد شياع السوداني في تثبيت ولاية ثانية، تحولت المعركة إلى صراع على مركز القرار نفسه: هل يبقى بيد الإطار كتحالف، أم ينتقل تدريجياً إلى رئاسة الحكومة؟ هنا تحديداً، اختار المالكي أن يرفع السقف، مدركاً أن مجرد ترشيحه سيعيد خلط الأوراق، ويفتح الباب أمام سيناريوهات لم تكن مطروحة.

وبين ضغوط داخلية، ورسائل خارجية متباينة، وسجال إعلامي محتدم، أخذت اللعبة مساراً تصاعدياً انتهى بإقصاء الأسماء القوية تباعاً، وصولاً إلى البحث عن “حل وسط” يجنّب الجميع الخسارة المباشرة. لكن هذا المسار لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة إيقاع فرضه المالكي منذ البداية، ليحوّل معركة الترشيح من سباق نحو المنصب إلى معركة على تحديد شروط الوصول إليه.

أولاً: هل كان ترشيح المالكي مناورة أم اضطرار؟

يمكن قراءة تحرّك المالكي من زاويتين متكاملتين، لا متناقضتين. الأولى، أنه خاض مناورة محسوبة عندما طرح نفسه كمرشح لرئاسة الوزراء بشكل صادم، بهدف إعادة ترتيب موازين القوة داخل “الإطار التنسيقي“، وقطع الطريق أمام تثبيت ولاية ثانية لـ محمد شياع السوداني. أما الثانية، فتتمثل في اعتماده تكتيك “إحراق الأسماء”، إذ إن تمسكه بترشيحه أسهم في استنزاف جميع البدائل المطروحة وإسقاطها تدريجياً، وصولاً إلى فرض خيار “مرشح التسوية” الذي لا يحمل خصومة حادة مع أي طرف من قيادات الإطار.

وبمعنى أدق، لم يكن المالكي يسعى إلى الوصول إلى المنصب بقدر ما كان يعمل على إدارة “سقف التفاوض”، وفرض شروطه على شكل المرحلة المقبلة داخل الإطار.

ثانياً: لعبة رفع السقف ثم الهبوط الآمن

ما فعله المالكي يشبه نموذجاً معروفاً في سياسة المفاوضات: ارفع السقف إلى الحد الأقصى، ودع الجميع يرفض، ثم قدم خياراً وسطاً يبدو مقبولاً. ترشيحه لنفسه جاء كسقف مرتفع جداً (داخلياً وخارجياً). أما الرفض الأميركي/الإقليمي (سواء كان مباشراً أو مضخماً إعلامياً) كان أداة ضغط.

النتيجة هي القبول بشخص مثل “علي الزيدي” كحل وسط. وبهذا المعنى، لا تبدو النتيجة هزيمة للمالكي بقدر ما هي إعادة تموضع ذكية، إذ نجح في نقل المعركة من صراع على شخصه إلى تفاوض على شكل التسوية، فارضاً إيقاعه على المسار بأكمله.

ثالثاً: ضرب الولاية الثانية للسوداني

أحد الأهداف الأكثر وضوحاً هي منع محمد شياع السوداني من التحول إلى مركز قوة مستقل داخل الإطار التنسيقي، وكسر فكرة “رئيس وزراء قابل للتجديد” خارج إرادة القيادات التقليدية. فالمالكي يدرك أن بقاء السوداني لولاية ثانية لا يعني مجرد استمرار شخص في المنصب، بل يفتح الباب أمام تحول أعمق في بنية القرار، حيث ينتقل مركز الثقل من الإطار كتحالف سياسي إلى رئاسة الحكومة كمؤسسة تنفيذية قادرة على فرض إيقاعها الخاص.

هذا التحول، إن تحقق، كان سيقود تدريجياً إلى تآكل نفوذ القيادات التاريخية داخل الإطار، ويمنح رئيس الوزراء هامش لإعادة رسم موازين القوة. لذلك، حتى في حال عدم وصول المالكي إلى المنصب، يمكن القول إنه نجح في تحقيق هدفه الأهم، هو تعطيل هذا المسار، ومنع تشكل نموذج سياسي جديد قد يخرج القرار من دائرة التحكم التقليدي.

رابعاً: إدارة الحرب الإعلامية

ما رافق هذا الصراع لم يكن سياسياً فقط، بل اتخذ طابعاً إعلامياً حاداً ومؤثراً. فقد أُديرت الخطابات وسرديات التسقيط عبر غرف منظمة، عملت على تضخيم فكرة “الرفض الدولي” لترشيح المالكي، وتكريسها كحقيقة شبه نهائية في الوعي العام. وفي الوقت ذاته، جرى الدفع بسلسلة من الأسماء البديلة، ليس بهدف ترسيخها بقدر ما كان لإرباك المشهد وتشتيت مراكز القرار داخل “الإطار التنسيقي”.

ومع تصاعد هذا الزخم، تشكّلت ما يشبه ماكينة سردية متكاملة، وظيفتها توجيه الرأي العام وصناعة انطباعات مسبقة عن مآلات العملية السياسية. غير أن ما ينبغي التنبه له هو أن هذا الخطاب لم يكن كله انعكاساً دقيقاً للواقع، إذ كان جزءاً كبيراً منه يدخل في إطار الحرب النفسية السياسية، أكثر مما يعبر عن موقف دولي حاسم أو قرار نهائي مكتمل المعالم.

خامساً: ورقة المرشح غير السياسي

إن طرح شخصية مثل “علي الزيدي” لا يمكن فصله عن دلالات أعمق تتجاوز كونه مجرد خيار بديل. فالرجل يمثل نموذجاً مقصوداً لتفادي الاستقطاب، إذ لا يحمل تاريخاً سياسياً صدامياً يثير حساسيات الأطراف المتنافسة. وفي الوقت ذاته،يوفّر قدراً من الإرضاء النسبي للجميع، كونه لا يشكّل تهديداً مباشراً لأي جناح داخل “الإطار التنسيقي”.

الأهم من ذلك، أن مثل هذه الشخصية تتمتع بقابلية عالية للاحتواء والارضاء، ما يجعلها قابلة للتوجيه من أكثر من مركز قوة، دون أن تنفرد بقرار أو تفرض مساراً خاصاً بها. وهنا يتجلى جوهر هذه المناورة، اختيار شخصية لا تأتي منتصرة على الجميع، بل شخصية لا يشعر أي طرف بأنه خسرها.

سادساً: هل نجح المالكي؟

الإجابة ليست مباشرة أو أحادية، لأن ما جرى لا يُقاس بمنطق الربح والخسارة التقليدي. فمن جهة، يمكن القول إنه حقق جملة من الأهداف الجوهرية، نجح في منع تثبيت خصمه محمد شياع السوداني لولاية ثانية، وأعاد الإمساك بخيوط القرار داخل “الإطار التنسيقي” بعد أن كانت تميل تدريجياً نحو رئاسة الحكومة، كما فرض إيقاعه الخاص على مجمل عملية الترشيح، بحيث باتت كل الخيارات تمر عبر معادلته هو، لا خارجها.

وبهذا المعنى، لم يكن النجاح مرتبطاً بالوصول إلى المنصب، بل بالقدرة على التحكم بمسار الوصول نفسه، وهو ما نجح فيه إلى حد كبير.. وما جرى يعكس حقيقة أكبر، أن العراق لا يُدار بمنطق الفائز والخاسر، بل بمنطق من يحدد نقطة التوازن. المالكي لم يصل إلى المنصب، لكنه حدد حدود اللعبة، وفرض مبدأ: أن أي رئيس وزراء قادم هو نتيجة توازنات لا قرار منفرد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *