الحقّ بين جدران الجامعات ومخالب الاستكبار

الحقّ بين جدران الجامعات ومخالب الاستكبار
 ولعلّنا اليوم أمام لحظة يجب أن يُقال فيها بوضوح: إن إسكات أصوات الطلاب، وتجميد أموال الجامعات بسبب مواقفها الأخلاقية، هو عدوان على المعرفة والكرامة والحق...

لا تزال الجامعات، عبر العصور، تمثّل المساحات النادرة التي تلتقي فيها الفكرة الحرة مع الضمير الحي، حيث يكون الطالب أكثر من مجرد متلقٍ للمعلومة؛ بل يصبح فاعلاً أخلاقيًا، شاهداً على المظالم، وصوتًا للعدل في وجه السلطة والهيمنة. وحينما تسعى قوى الاستكبار العالمي إلى إسكات هذا الصوت، فإنها لا تستهدف مجموعة من الطلبة فحسب، بل تستهدف معنى الجامعة ذاتها، وتعتدي على وظيفتها الكبرى في صناعة الوعي وتثبيت الحق. في مشهد يعكس هذا التوجّه القمعي، جُمدت مؤخرًا أكثر من 2.2 مليار دولار من التمويل الفيدرالي لجامعة هارفارد العريقة، في قرار سياسي من إدارة الرئيس دونالد ترامب، بسبب رفض الجامعة الانصياع لشروط تتضمن إلغاء مجموعات طلابية مؤيدة لفلسطين، وإلغاء برامج التنوع، وتقييد حرية الطلاب في التعبير والاحتجاج السلمي.

هذا القرار لم يكن مجرد خطوة إدارية، بل كان رسالة واضحة مفادها: “من لا يصمت عن المظالم، فلينتظر العقوبة.” لكن الجامعة التي نالت شرفًا تاريخيًا بكونها منبرًا للعلم والتفكير الحر، رفضت الانبطاح، وقررت أن تبقى وفية لدورها، رغم ما تسببه ذلك من تحديات مالية كبرى. هذا الصمود ينبغي أن يُقرأ لا فقط كقرار إداري، بل كموقف أخلاقي في وجه توحش السلطة حين تخلع قناعها وتُظهر وجهها القمعي.

إن فلسطين اليوم لم تعد فقط قضية شعب يُحاصر ويُقتل، بل غدت مقياسًا حادًا يكشف معادن الناس والمؤسسات والدول. إنها امتحان مستمر للضمير الإنساني، تُفضح فيه المواقف التي تتغنى بالحرية بينما تقف صامتة أمام أفظع أشكال الاحتلال والعنصرية والتطهير العرقي. وما المظاهرات الطلابية الأخيرة إلا أحد وجوه هذا الضمير الحي الذي يأبى الصمت أمام جرائم صهيونية تُرتكب يوميًا بحق أرضٍ وشعبٍ وتاريخ. إن الجامعات ليست كيانات محايدة أو بلا روح، بل هي امتداد للفكر الحي، وتُمثّل جبهة من جبهات مقاومة الاستكبار العالمي، خصوصًا عندما تُجبر على التخلي عن حيادها الأكاديمي لتكون أداة بيد السلطة.

ولعلّنا اليوم أمام لحظة يجب أن يُقال فيها بوضوح: إن إسكات أصوات الطلاب، وتجميد أموال الجامعات بسبب مواقفها الأخلاقية، هو عدوان على المعرفة والكرامة والحق. وحين قال الإمام علي (عليه السلام): “كونوا للظالم خصمًا، وللمظلوم عونًا”، لم يكن يخاطب فئة من الناس دون أخرى، بل كان يخاطب كل حرّ لا يُرهن صوته ولا يساوم على ضميره، سواء كان طالبًا في مدرج جامعي أو أستاذًا خلف المنبر أو إنسانًا بسيطًا يرفض الذل. المعركة اليوم ليست مالية ولا إعلامية، بل هي معركة على الكلمة، على المعنى، على الموقف. ومن يسكت على الظلم مرة، سيجد نفسه غدًا حليفًا له. أما من يختار الوقوف مع الحق، فربما يُعاقب، يُضيّق عليه، يُحرَم من التمويل… لكنه يبقى حرًا، وهذا وحده يكفي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *