ليست المواجهة مع إيران حدثاً طارئاً في سجلّ الصراع الإقليمي بل هي نتاج مسار طويل من التراكمات السياسية والأمنية، حيث تتقاطع مشاريع النفوذ وتتصادم رؤى الهيمنة وتُصاغ السرديات الإعلامية لتبرير ما لا يمكن تبريره بالقانون أو الأخلاق.
إن أي قراءة للاعتداءات المتكررة على إيران—سواء كانت مباشرة أو عبر حروب الظل—تتطلب فهم جذورها العميقة لا الاكتفاء بسطح الأحداث.
أولًا: الجذور ومن الثورة إلى الردع
منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران 1979، دخلت طهران في مسار تصادمي مع المنظومة الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة وكذلك مع إسرائيل.
لم يكن الخلاف سياسياً فحسب بل أيديولوجياً أيضاً ، إذ طرحت إيران نفسها كقوة مناهضة للهيمنة الغربية وداعمة لحركات المقاومة في المنطقة.
هذا التحول أنتج معادلة جديدة:
- إيران تسعى لبناء نفوذ إقليمي عبر شبكة حلفاء.
- إسرائيل ترى في هذا النفوذ تهديداً وجودياً.
- الولايات المتحدة تحاول ضبط التوازن دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
ثانياً : من الاحتواء إلى الاستهداف
على مدى عقود انتقلت المواجهة من سياسة “الاحتواء” إلى “الاستنزاف” ثم إلى “الاستهداف المباشر”وتجلّى ذلك في:
- العقوبات الاقتصادية القاسية.
- الهجمات السيبرانية.
- الاغتيالات النوعية.
- الضربات الجوية في ساحات مثل سوريا ولبنان والعراق.
هذه الأدوات ليست منفصلة بل تشكل ما يمكن تسميته بـ”الحرب الرمادية” حيث لا حرب معلنة ولا سلام حقيقي لكنها اخيراً انزلقت لحربين بعد مرتين من الاخفاقات في المفاوضات عن الملف النووي الذي الغى فيها ترامب الاتفاقية النووية لسلفة اوباما في عام 2018.
ثالثاً: الإعلام .. صناعة العدو وتبرير الضربة
في موازاة الميدان العسكري تدور معركة أخرى لا تقل أهمية وهي معركة السرديات.
يُقدَّم الصراع غالباً عبر ثنائية حادة:
“تهديد إيراني” مقابل “دفاع مشروع”،لكن هذه الصورة تُبنى عبر:
- تضخيم المخاطر.
- اختزال التعقيد.
- شيطنة الخصم.
- تسويق الضربة كخيار اضطراري.
وهنا تتحول وسائل الإعلام إلى أداة لإعادة تشكيل الإدراك العام بحيث يصبح التصعيد مقبولاً ومطلوباً أحياناً .
رابعًا: لماذا إيران تحديداً
لأنها تمثل—في نظر خصومها—ثلاثة عناصر خطرة في آن واحد:
1-القدرة على التأثير غير المباشر عبر حلفاء إقليميين.
2-الطموح الاستراتيجي لبناء توازن ردع مع إسرائيل.
3-الاستقلال السياسي عن المنظومة الغربية.
لكن اختزال الصراع في “إيران كعقبة” يخفي حقيقة أعمق وهي ان المنطقة بأكملها تعيش حالة إعادة تشكّل حيث لا طرف قادر على فرض هيمنة مطلقة.
خامسًا: إلى أين تمضي الحرب؟
المشهد الحالي يقف عند مفترق طرق خطير:
-
سيناريو الردع المتوازن:
وهو الأقرب إلى منطق القوى الكبرى، حيث تستمر التوترات لكن ضمن سقف يمنع الانفجار الكبير.
الخلاصة: حرب بلا نهاية واضحة
الاعتداء على إيران ليس مجرد رد فعل آني، بل جزء من صراع أعمق على شكل النظام الإقليمي.
ومع غياب رؤية سياسية جامعة واستمرار منطق القوة تبقى المنطقة أسيرة دائرة مغلقة وهو تصعيد يولد تصعيداً وردع هشّ يمنع الانفجار دون أن يصنع السلام.
اخيرا من سيكسب الحرب؟
وهل يمكن كسر هذه الحلقة قبل أن تتحول إلى مواجهة لا يمكن احتواؤها؟


