لماذا يسعى ترامب للسيطرة على «قطب موارد العالم» و«شريان التجارة الأمريكية»؟

لماذا يسعى ترامب للسيطرة على «قطب موارد العالم» و«شريان التجارة الأمريكية»؟
إنّ رغبة ترامب في السيطرة على غرينلاند وقناة بنما تعكس استراتيجيّات توسّعية للولايات المتّحدة تهدف إلى التحكّم بالموارد الطبيعيّة والممرّات التجاريّة العالميّة.....

المقدّمة

في عالم اليوم، تُعَدّ المنافسة على الوصول إلى الموارد الطبيعيّة والتحكّم الاستراتيجي بمسارات التجارة العالميّة جزءًا مهمًّا من سياسات القوى الكبرى الخارجيّة. إنّ تطلّع «دونالد ترامب» للاستحواذ على غرينلاند وقناة بنما يجسّد هذه المنافسة العالميّة؛ فغرينلاند، بما تمتلكه من موارد وفيرة وموقع جغرافي استثنائي، وقناة بنما التي تُعَدّ شريانًا رئيسًا للتجارة العالميّة بين المحيطين الأطلسي والهادئ، يمثّلان هدفين استراتيجيّين لتوسيع نفوذ الولايات المتّحدة الأمريكيّة.

  1. غرينلاند: قطب موارد العالم

تُعَدّ غرينلاند، بصفتها إحدى أكثر المناطق ثراءً في العالم من حيث الموارد الطبيعيّة، محطّ أنظار القوى العالميّة. هذه المنطقة، التي تتمتّع بحكم شبه ذاتي وتتبع مملكة الدنمارك، تمتلك احتياطيات قيّمة من اليورانيوم ومليارات البراميل من النفط والغاز الطبيعي والمعادن النادرة، ما يجعلها ركيزة مهمّة في الصناعات المتقدّمة. ووفقًا لإحصاءات «معهد جيولوجيا الدنمارك»، فإنّ غرينلاند تحتوي على 38.5 مليون طن من الموارد المعدنيّة النادرة، يُستخرج 90% منها وتؤمّنها الصين، الأمر الذي كشف أكثر عن اعتماد الولايات المتّحدة على الصين.

إلى جانب ذلك، زاد تغيّر المناخ من الأهميّة الجيوسياسيّة لغرينلاند، إذ يشير «مشروع التغيّرات في القطب الشمالي» (2023) إلى أنّ ذوبان الجليد في غرينلاند قد يرفع مستويات البحار العالميّة بمقدار 7.4 أمتار، ما قد يترك آثارًا خطيرة على السواحل الأمريكيّة وأمنها القومي. وفي الفترة الرئاسيّة الأولى لترامب، طُرح مقترح شراء الجزيرة، لكنّ الدنمارك رفضته رفضًا قاطعًا؛ حيث صرّح رئيس وزرائها بأنّ «غرينلاند ليست للبيع». وهذا الموقف يُظهر تمسّك أوروبا بالحفاظ على سيطرتها على هذه المنطقة الاستراتيجيّة. غير أنّ إصرار ترامب المتجدّد في ولايته الثانية يكشف عن أهميّة هذا الملف في صلب السياسة الخارجيّة الأمريكيّة خلال السنوات القادمة.

  1. قناة بنما: شريان التجارة العالميّة

تُعَدّ قناة بنما، الممتدّة بطول 82 كيلومترًا، ممرًّا لأكثر من 14 ألف سفينة تجاريّة سنويًّا، إذ يعبرها ما يقارب 3% من إجمالي التجارة العالميّة، وتوفّر قرابة 2.5 مليار دولار من العائدات المباشرة سنويًّا لصالح بنما. ومنذ نَقل إدارة القناة إلى بنما عام 1999، أصبحت إحدى أهمّ شرايين التجارة في العالم.

ادّعى ترامب أنّ للصين نفوذًا واسعًا في قناة بنما، بيد أنّ الإحصاءات تبيّن أنّ 3.5% فقط من السفن المارّة بالقناة تعود للصين. ووفقًا لتقرير «هيئة قناة بنما» لعام 2022، تُعَدّ الولايات المتّحدة المستفيد الأكبر من القناة، حيث تستحوذ على 67% من إجمالي حركة النقل البحري فيها. بالإضافة إلى ذلك، قناة بنما لها أهميّة عسكريّة استراتيجيّة، نظرًا لدورها في ربط المحيطين الأطلسي والهادئ. وفي ظلّ التنافس مع الصين، تسعى الولايات المتّحدة إلى تعزيز نفوذها على هذه القناة، وذلك ضمن سياسات ترامب للأمن القومي.

  1. التداعيات العالميّة

إنّ الاستحواذ على غرينلاند وقناة بنما ستكون له تبعات واسعة على استقرار النظام العالمي. وقد يؤدّي فرض رسوم جمركيّة محتملة على الدنمارك أو زيادة الضغوط السياسيّة على بنما إلى تراجع ثقة الحلفاء بالولايات المتّحدة وتصاعد التوتّرات الدوليّة. وإلى جانب ذلك، فإنّ السياسات التوسّعية لواشنطن قد تزيد من المخاطر المحدقة بالاقتصادات الناشئة والبيئة على حدّ سواء.

الخاتمة

إنّ رغبة ترامب في السيطرة على غرينلاند وقناة بنما تعكس استراتيجيّات توسّعية للولايات المتّحدة تهدف إلى التحكّم بالموارد الطبيعيّة والممرّات التجاريّة العالميّة. وفي المقابل، تُظهر مقاومة الدول الأصغر، مثل الدنمارك وبنما، عزم المجتمع الدولي على مجابهة هذا التوسّع. وتوضح الإحصاءات والمصادر أنّ هذه السياسات لا تهدّد الأمن العالمي فحسب، بل تعبّر عن تغليب المصالح الاقتصاديّة قصيرة المدى على التعاون الدولي طويل الأمد. ولأجل بناء مستقبل مستدام، لا غنى عن احترام سيادة الدول وتركيز الجهود على التعاون العالمي؛ وهو ما بات مهدّدًا في ظلّ سياسات ترامب المتشدّدة التي تعوق أفق هذا التعاون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *