عراق قوي ومستقل أم استقرار تحت التأثير الأمريكي؟

عراق قوي ومستقل أم استقرار تحت التأثير الأمريكي؟
يناقش النص طبيعة العلاقة الأمريكية العراقية، مميزاً بين الشراكة المتوازنة والاستقرار المُدار، ويؤكد أن معيار السيادة هو قدرة بغداد على اتخاذ قراراتها الأمنية والاقتصادية والسياسية وفق المصلحة الوطنية...

بعد سنوات طويلة من الحضور الأمريكي في العراق، من الضروري أن نقرأ السياسة الأمريكية بعيدًا عن الشعارات، وأن نسأل: هل الهدف بناء دولة عراقية قوية ومستقلة في قرارها السياسي والاقتصادي والأمني، أم الحفاظ على استقرارٍ مضبوط يضمن استمرار القدرة على التأثير في بغداد؟ واشنطن تعلن رسميًا دعمها لعراق «آمن ومستقر وذي سيادة»، وتقول إن تعاونها الأمني يهدف إلى بناء قوات عراقية مهنية قادرة على حماية البلاد وحدودها. كما أن الاتفاقية الإطارية الاستراتيجية بين البلدين تقوم على تعاون أوسع يشمل الأمن والاقتصاد والطاقة والمال.

لكن في المقابل، استمرار المصالح الأمريكية في الملفات الأمنية والمالية والاقتصادية والإقليمية يجعل من حق العراقيين طرح سؤال مشروع: هل المطلوب عراق قوي إلى درجة اتخاذ قراره بنفسه، أم عراق مستقر لكن ضمن شبكة من المصالح والتحالفات التي تحدد مساحة حركته؟ والتمييز بين الحالتين لا يكون بالنوايا، بل بالمؤشرات: هل تستطيع بغداد اتخاذ قراراتها الأمنية والعسكرية دون ضغوط خارجية؟ هل تملك استقلالًا حقيقيًا في سياستها الاقتصادية والمالية؟ هل تستطيع بناء علاقات متوازنة مع واشنطن وطهران ودول الخليج وتركيا وغيرها وفق مصلحتها الوطنية؟ ومن المؤشرات المهمة أيضًا موقف واشنطن من بناء مؤسسات الدولة، واحتكار السلاح بيد المؤسسات الرسمية، وتقوية الجيش والأجهزة الأمنية، وتنويع الاقتصاد، وتقليل اعتماد العراق على الخارج. وهذه أهداف أعلنت الولايات المتحدة دعمها لها بالفعل.

كما أن إعلان إنهاء المهمة العسكرية للتحالف في العراق والانتقال إلى شراكة أمنية ثنائية يمثل اختبارًا مهمًا: فإذا تحولت العلاقة فعلًا من وجود عسكري إلى تعاون بين دولتين متكافئتين، فهذه إشارة إيجابية؛ أما إذا بقيت أدوات التأثير السياسي والأمني والاقتصادي قادرة على تحديد خيارات بغداد، فسنكون أمام استقرارٍ مضبوط أكثر من كونه استقلالًا كاملًا.

في النهاية، مصلحة العراق ليست في العداء مع أمريكا ولا في التبعية لها؛ بل في علاقة متوازنة تحفظ المصالح المشتركة، وتمنح بغداد حرية قرارها. فالعراق القوي لا يكون تابعًا لواشنطن ولا لطهران ولا لأي عاصمة أخرى، وإنما تكون بوصلته الوحيدة: المصلحة الوطنية العراقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *