عند الحديث عن مستقبل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، أعتقد أننا أمام مرحلة تتجاوز فكرة استمرار الصراعات السابقة بالشكل الذي عرفناه خلال العقود الماضية، لأن المنطقة تشهد اليوم تحولات عميقة في موازين القوى وطبيعة العلاقات بين الدول، وفي الوقت نفسه لم تتبلور بعد ملامح النظام الإقليمي الجديد بصورة نهائية. ولذلك فإن ما نعيشه يمكن وصفه بأنه مرحلة انتقالية بين نظام إقليمي قديم فقد جزءاً كبيراً من قدرته على إنتاج الاستقرار، ونظام جديد لا تزال قواعده وتوازناته قيد التشكل.
خلال السنوات الماضية شهدت المنطقة تحولات كبيرة، من الحرب في سوريا إلى الحرب في غزة، مروراً بالتوترات في لبنان والعراق واليمن، والتنافس بين إيران وإسرائيل، إلى جانب التحولات في العلاقات بين تركيا والدول العربية ودخول الصين وروسيا بصورة أكبر في حسابات المنطقة. كل هذه التطورات تؤكد أن الشرق الأوسط لم يعد يتحرك وفق المعادلات القديمة نفسها، وأن مراكز القوة أصبحت أكثر تعدداً، كما أن الدول الإقليمية باتت أكثر قدرة على اتخاذ قراراتها وفق مصالحها المباشرة، بعيداً عن الالتزام الكامل بمحور دولي أو إقليمي واحد.
ومن وجهة نظري، فإن أهم ما يميز المرحلة الحالية هو الانتقال التدريجي من نظام يقوم على المحاور والتحالفات الثابتة إلى نظام أكثر مرونة وتعقيداً، تتحرك فيه الدول وفق مصالحها، وقد نجد الدولة نفسها تتعاون مع طرف في ملف أمني، بينما تتعاون مع خصمه في ملف اقتصادي أو سياسي.
وهذا يعني أن التحالفات التي عرفناها في السابق لن تختفي بالكامل، لكنها ستصبح أقل ثباتاً، وستحل مكانها إلى حد كبير تفاهمات مؤقتة وشراكات تقوم على المصالح المشتركة. وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل الدور الأمريكي، لأن الولايات المتحدة ما تزال القوة الدولية الأكثر تأثيراً في الشرق الأوسط، لكن طبيعة هذا الدور تتغير. فالولايات المتحدة لم تعد قادرة، أو ربما لم تعد راغبة، في إدارة جميع تفاصيل المنطقة بالطريقة نفسها التي كانت عليها في مراحل سابقة.
وفي المقابل، بدأت القوى الإقليمية تبحث عن هامش أكبر من الاستقلال في قراراتها الأمنية والسياسية، وهذا لا يعني بالضرورة خروج الولايات المتحدة من المنطقة، وإنما يعني أن احتكارها لإدارة التوازنات الإقليمية أصبح أكثر صعوبة.
وفي المقابل، برزت تركيا خلال السنوات الأخيرة كإحدى القوى الأساسية التي سيكون لها دور مهم في تحديد شكل النظام الإقليمي المقبل، خصوصاً مع توسع حضورها في الملفات السورية والعراقية وشرق المتوسط وعلاقاتها المتنامية مع دول الخليج. كما أن تركيا تحاول تقديم نفسها كقوة إقليمية قادرة على التأثير في الملفات الأمنية والسياسية، وليس فقط كدولة تتأثر بما يجري حولها.
وهذا الدور سيضعها في الوقت نفسه أمام منافسة مع قوى أخرى، وعلى رأسها إسرائيل وإيران، وسيجعل التوازن بين هذه القوى أحد العناصر المهمة في تحديد مستقبل المنطقة. أما سوريا، فأعتقد أنها تمثل واحدة من أهم ساحات إعادة تشكيل النظام الإقليمي. فمستقبل سوريا لم يعد قضية سورية داخلية فقط، وإنما أصبح مرتبطاً بصورة مباشرة بمصالح وتوازنات عدد من القوى الإقليمية والدولية. وما إذا كانت سوريا ستنجح في بناء دولة مستقرة وقادرة على استعادة سيادتها وتوحيد مؤسساتها، أم ستبقى ساحة للتنافس الإقليمي والدولي، سيكون له تأثير كبير ليس على سوريا وحدها وإنما على شكل النظام الإقليمي بأكمله.
وإذا تمكنت سوريا من تجاوز الانقسامات وبناء صيغة سياسية تستوعب مختلف مكوناتها، فقد تتحول من دولة ساحة إلى دولة فاعلة في محيطها الإقليمي، أما استمرار حالة التجاذب والصراع فسوف يبقيها واحدة من أهم نقاط التوتر في المنطقة. وبالنسبة إلى إيران، فمن الخطأ الاعتقاد أن الضغوط التي تعرضت لها تعني انتهاء دورها الإقليمي.
إيران دولة كبيرة تمتلك موقعاً جغرافياً مهماً وقدرات عسكرية وشبكة واسعة من العلاقات والنفوذ، ولذلك ستبقى لاعباً أساسياً في أي ترتيبات إقليمية مقبلة. لكن طبيعة هذا الدور قد تتغير، وربما نشهد في المرحلة المقبلة قدراً أكبر من الحذر الإيراني في إدارة الصراعات، مع محاولة إعادة بناء العلاقات والبحث عن تفاهمات سياسية ودبلوماسية تحافظ من خلالها على مصالحها ونفوذها.
أما إسرائيل، فعلى الرغم من امتلاكها تفوقاً عسكرياً كبيراً، فإن التجربة الأخيرة أثبتت أن التفوق العسكري وحده لا يكفي لبناء نظام إقليمي مستقر. فالقوة تستطيع تغيير بعض موازين الردع، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج الاستقرار أو إنهاء الصراعات.
ولذلك فإن مستقبل إسرائيل في النظام الإقليمي سيبقى مرتبطاً بقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات والصراعات إلى البحث عن ترتيبات سياسية وأمنية أكثر استدامة، وفي مقدمة ذلك معالجة القضية الفلسطينية، التي ستبقى، برأيي، أحد المفاتيح الأساسية لأي مشروع حقيقي لإعادة بناء الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط.
كما أن الدول العربية نفسها أصبحت أكثر اهتماماً بإعادة تعريف موقعها في النظام الإقليمي. فهناك توجه واضح نحو تنويع الشراكات وعدم الاعتماد على طرف دولي واحد، إلى جانب التركيز المتزايد على التنمية والاقتصاد والاستثمار والطاقة. وهذا أمر مهم، لأن استمرار الصراعات أصبح يتعارض بصورة مباشرة مع المشاريع الاقتصادية والتنموية التي تسعى دول المنطقة إلى تنفيذها.
ومن هنا أعتقد أن العامل الاقتصادي سيكون له تأثير متزايد على القرارات السياسية والأمنية خلال السنوات القادمة. وبالتالي، لا أعتقد أن المنطقة تتجه إلى نهاية الصراعات بشكل سريع، كما لا أعتقد أننا أمام عودة كاملة إلى نمط الحروب التقليدية التي عرفناها في السابق. الأقرب هو أننا ندخل مرحلة طويلة من التنافس الإقليمي، تتداخل فيها القوة العسكرية مع الاقتصاد والدبلوماسية والطاقة والتكنولوجيا، وستشهد المنطقة صراعات محدودة إلى جانب تفاهمات مؤقتة وتحالفات متغيرة. بمعنى آخر، نحن أمام نظام إقليمي أكثر تعدداً في مراكز القوة وأقل وضوحاً من حيث المحاور التقليدية.
وفي تقديري، فإن السؤال الأهم اليوم ليس فقط من ستكون له اليد العليا في الشرق الأوسط، وإنما من سيكون قادراً على المساهمة في بناء قواعد جديدة للعلاقات الإقليمية. فإعادة توزيع القوة وحدها لا تعني بالضرورة تحقيق الاستقرار، لأن التوازن القائم على الردع والخوف يمكن أن يمنع الحرب لفترة، لكنه لا يبني سلاماً دائماً.
ومن منظور دراسات السلام، فإن التحدي الحقيقي أمام المنطقة هو تحويل موازين القوى الجديدة إلى ترتيبات سياسية وأمنية تقوم على احترام سيادة الدول، ومعالجة أسباب الصراعات، وتحقيق التنمية، وإيجاد حلول سياسية للقضايا التي بقيت مفتوحة لعقود. لذلك أرى أننا أمام إعادة تشكيل حقيقية للنظام الإقليمي، ولكنها لن تكون عملية سريعة أو واضحة المعالم.
المرحلة القادمة ستكون مرحلة اختبار للقوى الإقليمية والدولية، وستحددها قدرة هذه القوى على الانتقال من سياسة إدارة الصراعات إلى سياسة إدارة المصالح وبناء التفاهمات. وإذا نجحت دول المنطقة في استثمار هذه المرحلة لبناء منظومة أمن إقليمي جديدة، فقد تكون هذه التحولات بداية لمرحلة أكثر استقراراً. أما إذا استمرت عقلية المحاور والصراع على النفوذ من دون إيجاد حلول سياسية للقضايا الأساسية، فإن المنطقة ستبقى تدور في الحلقة نفسها، وإن بأشكال وأدوات جديدة. وفي النهاية، فإن مستقبل الشرق الأوسط لن تحدده القوة العسكرية وحدها، وإنما قدرة دوله وشعوبه على تحويل التحولات الحالية من صراع على النفوذ إلى فرصة لبناء نظام إقليمي أكثر توازناً واستقراراً.


