منذ أن بدء وعيي يتشكل حول معنى الحياة كانت في حينها حرب الخليج الثانية، التي اصبحت واحدة من أولى الصدمات التي رسخت في ذاكرتي، أتذكر كيف وجدنا أنفسنا مهجرين داخل وطننا، نغادر بيوتنا شأننا شأن الكثير من العوائل العراقية خوفاً من القصف الأمريكي على بغداد، بينما كان خوف الأكبر سنناً هو المجهول الذي رافقنا الى يومنا هذا خطوة بخطوة، فمنذ ثمانينيات القرن المنصرم لازال الوضع الإقليمي مثقل بالحروب والانقسامات والأزمات، هذه الحروب هي استراتيجيات مرسومة بعناية من جهات ماسونية وغربية معروفة، ولا يمكن ان تتحقق هذه الاستراتيجيات الا بحروب تضعف الدول الإسلامية ومؤسساتها، وتستنزف اقتصاداتها، وتبدد مواردها، وترفع مديونيتها، تجعل من مجتمعاتها تدفع الثمن الأكبر من أمنها واستقرارها ومستقبل أجيالها.
ومن اجل تحقيق مآرب خفية ولم يكتف العدوا بمحاربتنا بل شق الصف الاسلامي بحرب طائفية شرسة ذهب ضحيتها الكثير من الأبرياء وما صاحبتها من مشكلات اجتماعية ونفسية، ورغم ان هذه الحيلة أصبحت لن تنطوي على العراقيين، الا انه ان هناك من يحاول ان يعزف على اوتارها المتهالكة، ويبدو أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس إلى أي مذهب ننتمي؟ بل ما الذي يجمعنا، وما الذي ينبغي أن تكون له الأولوية في حياتنا؟ ومن هو عدونا الحقيقي؟
قد يكون هذا التساؤل ساذجاً في مجتمعات اعتادت أن تنظر إلى العقيدة والهوية المذهبية بعدها جزءً أساسياً من تعريف الإنسان لنفسه. فالمسلمون لم يكونوا يوماً كتلة فكرية واحدة، فقد انقسم الفكر الإسلامي، عبر التاريخ، إلى مذاهب ومدارس واتجاهات متعددة، وتفرعت عن هذه المدارس فرق وطوائف كثيرة، لكل منها رؤيتها واجتهاداتها وتفسيراتها، والحديث عن عدم وجود اختلاف فكري بين المسلمين هو في حد ذاته تجاهل للتاريخ. ان الاختلاف لم يكن مجرد تفاصيل هامشية، بل وصل في مراحل معينة إلى قضايا عقائدية عميقة، بل إن بعض الخلافات تحولت من اختلاف فكري إلى تكفير وإقصاء، وفي بعض الحالات إلى صراع وسفك للدماء، لكن المشكلة لا تكمن في وجود الاختلاف نفسه، فالاختلاف الفكري يمكن أن يكون ظاهرة طبيعية، بل المشكلة تبدء عندما يصبح المذهب معياراً للحكم على إيمان الآخر، أو سبباً للعداء والكراهية، أو مبرراً للعنف.
وهنا ربما نحتاج إلى إعادة ترتيب أولوياتنا، فمهما اتسعت مساحة الاختلاف بين المسلمين، هناك أصل فكري وديني يجمعهم، وفي مقدمة هذا الأصل القرآن الكريم. وقد يكون من المفارقات أن يختلف المسلمون في قضايا كثيرة، بينما يتراجع في حياتهم اليومية ذلك المشترك الذي كان قادراً على جمعهم حول قيم أساسية مثل حفظ النفس، والعدل، والرحمة، ورفض الظلم. إن الدعوة إلى تجاوز الصراع السني والشيعي لا تعني بالضرورة إلغاء المذاهب، ولا مطالبة المسلم بالتخلي عن قناعته الفقهية أو التاريخية. فالمذاهب جزء من التاريخ الإسلامي، ولها مدارسها وعلماؤها وتراثها واجتهاداتها، وبالاخير هي عبارة عن قراءات تاريخية ولكل مذهب قراءاته، فالمسلمون اليوم كالعملة النقدية التي لها وجهان لا يمكن لكل وجه منها ان تنقص من القيمة النقدية لها، لذلك على المسلم الحصيف اليوم ان ينظر الى العدو الحقيقي الذي عادى نبينا (صلى الله عليه واله وسلم) قبل ان يحاربنا أو يعدينا، وهذا العداء مستمر طالما اننا متمسكون بديننا ونبينا، ولعل فلسطين المحتلة والجمهوية الإسلامية الايرانية هي أوضح اختبار لهذه الفكرة، ان الشعوب الإسلامية اليوم تعاني من الحروب والاحتلال والفقر والنزوح، وأطفال يولدون في مناطق لا يعرفون فيها معنى الأمن والاستقرار. وفي المقابل، يستمر حكام الدول الاسلامية في استنزاف قدر كبير من اموالهم دفاعا عن العدو المشترك، بينما يغضون النظر على قضايا إنسانية أخرى!، فالطفل الفلسطيني الذي يفقد منزله أو عائلته أو حياته لا يسأل عن مذهب من يمد إليه يد العون، والمدني الذي يعيش تحت القصف لا يحتاج إلى بطاقة مذهبية حتى يستحق التضامن.
إن الحديث عن إسرائيل الصهيونية المحتلة هو حديث عن جماعة دينية وعرقية ذات سياسات ونفوذ دولي وعسكري، واحتلالاً غاصبا ارتبط بانتهاكات طالت ولا تزال تطال المسلمين، إن القضية الفلسطينية بما تحمله من ألم إنساني يمكن أن تكون واحدة من المساحات التي تذكر المسلمين بأن هناك قضايا أكبر من حدود الخلاف المذهبي، فالدم الفلسطيني ليس سنياً ولا شيعياً، والطفولة التي تقتل تحت الحرب لا تحمل مذهباً، ان العدوا اليوم ليس عربيا او اعجميا، بل هو الوجود الإسرائيلي الصهيوامريكي الذي بات يقتل الاطفال بجميع مناطق المسلمين، سواء كان في ملاجئ النزوح او في المدارس او في الاعراس أو المستشفيات، ان عبارة “لا سنية ولا شيعية” لا تعني بالضرورة إنشاء عقيدة جديدة، ولا تعني إلغاء السنة أو الشيعة، ولا تعني أن يصبح المسلم بلا هوية دينية أو مذهبية، وإنما يمكن أن تكون دعوة إلى البحث عن مستوى أوسع من الهوية، مستوى يقول إن الإنسان قبل أن يكون مختلفاً في التفاصيل، هو مسلم تجمعه مع اخيه أصول وعرق وقيم وكتاب، وأن هذه المشتركات ينبغي ألا تذوب خلف الخلافات، ان العقيدة التي نحتاجها اليوم ليست عقيدة تضاف إلى قائمة العقائد، بل ربما هي طريقة جديدة في النظر إلى أنفسنا وإلى اختلافنا، عقيدة تؤمن إن الاختلاف لا يعني الكراهية، وإن المذهب لا يعني العداوة، وإن الدفاع عن القناعة لا يحتاج إلى إلغاء الآخر، وربما يكون الوقت قد حان لأن نسأل أنفسنا سؤالاً أكثر بساطة وأشد عمقاً، هل نريد أن نبقى أسرى لخلافات الماضي، أم نبحث عن مساحة مشتركة لمواجهة تحديات الحاضر؟ ان الحقيقة التي ينبغي ان يعييها المسلمون هو تجديد الخطاب الإسلامي بإعادة الشخصية المسلمة للفرد المسلم وتوجيهه نحو العدوا الحقيقي للامة الإسلامية.

