تحدي السيادة العراقية في ظل التنافس الإقليمي

تحدي السيادة العراقية في ظل التنافس الإقليمي
يناقش النص تحدي السيادة العراقية في ظل التنافس الإقليمي والدولي، مؤكداً أن الحياد الحقيقي يتطلب دولة قوية وقراراً وطنياً مستقلاً، لا مجرد التوازن بين المحاور، مع الحفاظ على علاقات خارجية قائمة على المصلحة الوطنية...

يمر العراق اليوم بمرحلة دقيقة تتجاوز في خطورتها مجرد التنافس بين القوى الإقليمية والدولية، لأن السؤال الأساسي لم يعد: مع أي محور يقف العراق؟ وإنما: هل يمتلك العراق القدرة على اتخاذ قراره بنفسه؟ ففي ظل تصاعد التنافس الأمريكي–الإيراني وتحول المنطقة إلى ساحات متداخلة للصراع والنفوذ، تصبح السيادة العراقية أمام اختبار حقيقي، ليس على مستوى الخطاب السياسي، وإنما على مستوى قدرة الدولة على التحكم بأرضها وأجوائها وأمنها وقرارها العسكري والسياسي. من هذا المنطلق، فإن الحياد العراقي لا يمكن أن يكون مجرد إعلان عن الوقوف على مسافة واحدة من الأطراف المتصارعة.

فالحياد الحقيقي يحتاج إلى دولة قوية ومؤسسات قادرة على فرض القانون، وإلى قرار وطني مستقل لا يخضع لضغوط المحاور. الدولة التي لا تمتلك وحدها القرار الأمني والعسكري، أو التي تتعدد فيها مراكز القوة والنفوذ، ستجد صعوبة في الحفاظ على حيادها مهما كانت مواقفها السياسية متوازنة.

وهنا تكمن إحدى المشكلات الأساسية في الحالة العراقية؛ فالتحدي ليس خارجياً فقط، بل هو أيضاً نتيجة تراكمات داخلية أدت إلى تعدد مراكز القوة وتداخل السياسي بالأمني والعسكري. وعندما تتقاطع هذه الحالة مع النفوذ الإقليمي والدولي، يصبح القرار الوطني أكثر عرضة للتجاذبات، ويصبح العراق مهدداً بأن يتحول من دولة تمتلك موقعاً استراتيجياً مهماً إلى ساحة لتصفية الحسابات بين الآخرين. لكن العراق ليس محكوماً بالبقاء في هذه المعادلة.

فموقعه الجغرافي وثقله السياسي والاقتصادي يمكن أن يتحولا من مصدر ضغط إلى مصدر قوة، إذا نجح في بناء مشروع وطني يعيد تعريف علاقاته الخارجية على أساس المصلحة العراقية أولاً. وهذا يتطلب مؤسسات دولة قوية، وحصر السلاح والقرار الأمني بيد الدولة، وتعزيز استقلال القرار السياسي، وبناء علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة وإيران والدول العربية وتركيا وسائر الأطراف، من دون الدخول في سياسة العداء أو التبعية لأي طرف.

كما أن حماية السيادة لا تعني قطع العلاقات مع الخارج أو الانعزال عن البيئة الإقليمية، وإنما تعني أن تكون للعراق القدرة على إدارة هذه العلاقات من موقع الندية والمصلحة الوطنية. فالدول لا تحمي سيادتها بمجرد رفض التدخلات الخارجية، وإنما بامتلاك أدوات سياسية وأمنية واقتصادية تجعل التدخل في شؤونها أكثر صعوبة وكلفة. وفي تقديري، فإن مستقبل العراق سيتحدد إلى حد كبير بقدرته على الانتقال من مفهوم «التوازن بين المحاور» إلى مفهوم «الاستقلال عن المحاور».

فالتوازن قد يكون ضرورياً في مرحلة معينة، لكنه لا يكفي لبناء دولة مستقرة على المدى الطويل. المطلوب هو تأسيس دولة يكون ولاؤها الأول لمؤسساتها وشعبها، ويكون قرار الحرب والسلم والسلاح والأرض والأجواء قراراً وطنياً خالصاً.

وفي النهاية، فإن العراق لا يحتاج إلى أن يختار بين واشنطن وطهران بقدر ما يحتاج إلى أن يختار العراق نفسه. وهذه هي جوهر القضية. فحين تصبح الدولة هي الطرف الأقوى في الداخل، وحين يصبح القرار الوطني فوق الحسابات الحزبية والفئوية والخارجية، عندها فقط يمكن الحديث عن سيادة حقيقية وحياد فعلي.

أما الابتعاد عن المحاور من دون بناء قوة وطنية مستقلة، فقد يحافظ على الحياد في الخطاب، لكنه لن يضمن السيادة في الواقع. والسيادة في نهاية المطاف ليست شعاراً يُرفع، بل قدرة دولة على أن تقول كلمتها وتفرض قرارها وتحمي مصالحها. الباحث الاستاذ حسين قنبر دبلوم في العلاقات الدولية والدبلوماسية والقانون الدولي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *