إشارة مهمة: إذا كان العراق لا يريد أن يكون ساحةً لحروب الآخرين، فإن إعلان الحياد وحده لا يكفي، لأن الحياد الحقيقي ليس موقفاً سياسياً يُعلن، بل قدرة دولة تستطيع أن تحمي قرارها وحدودها وأجواءها وأمنها الوطني. العراق اليوم أمام معادلة واضحة: إما أن يكون دولةً تملك قرارها، أو يبقى مساحةً مفتوحة لتقاطعات المصالح والصراعات الإقليمية والدولية.
الملاحظة الأهم: الحديث عن الردع لا يعني الدعوة إلى الحرب، بل يعني امتلاك القدرة التي تجعل الآخرين يفكرون أكثر من مرة قبل تحويل الأراضي أو الأجواء أو المياه العراقية إلى ساحة لتصفية الحسابات. فالحياد من دون قوة قد يتحول إلى مجرد رغبة سياسية، بينما الردع من دون حكمة سياسية قد يتحول إلى مغامرة. ولهذا فإن العراق يحتاج إلى المعادلة الأصعب والأكثر توازناً: دبلوماسية قوية + جيش قوي + مؤسسات أمنية مهنية + اقتصاد متماسك + قرار سياسي مستقل.
إن بناء قدرة ردع عراقية مستقلة لا يعني الدخول في سباق تسلح، ولا يعني الانحياز إلى محور ضد آخر، وإنما يعني بناء دولة قادرة على حماية مصالحها، ومنع أي طرف من استخدام العراق منصةً للهجوم على الآخرين، وفي الوقت نفسه منع الآخرين من تحويل العراق إلى ساحة مفتوحة للردود والعمليات العسكرية.
السيادة تبدأ من الداخل، لكنها لا تكتمل إلا بالقدرة على حمايتها. فلا يمكن أن نتحدث عن سيادة كاملة إذا كانت الدولة عاجزة عن حماية أجوائها، أو ضبط حدودها، أو تأمين منشآتها الحيوية، أو امتلاك منظومة دفاعية قادرة على التعامل مع التهديدات.
وفي المقابل، لا يمكن بناء السيادة عبر القوة العسكرية وحدها؛ لأن العراق يحتاج أيضاً إلى اقتصاد قوي، ومؤسسات مستقرة، وعلاقات متوازنة مع دول الجوار والمجتمع الدولي. تنبيه: العراق لا يحتاج إلى أن يكون طرفاً في صراع إقليمي، كما لا يحتاج إلى أن يكون تابعاً لأي قوة دولية. المصلحة العراقية تفرض أن يكون العراق مع العراق أولاً. لذلك، فإن مفهوم “العراق أولاً” يجب أن يتحول من شعار إلى سياسة دولة:
• لا استخدام للأراضي العراقية ضد أي دولة.
• لا قبول بتحويل العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات.
• لا تفريط بالسيادة الجوية والبرية والمائية.
• لا قرارات أمنية خارج مؤسسات الدولة.
• لا ارتهان اقتصادي أو سياسي للخارج.
• ولا دخول في حروب لا تخدم المصلحة الوطنية.
المعادلة الذهبية: ليس المطلوب عراقاً يبحث عن الحرب، بل عراقاً يصعب جرّه إلى الحرب. وهذا هو جوهر الردع الحقيقي؛ أن تكون لدى الدولة القدرة السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تمنحها مساحة واسعة للمناورة، وتحمي قرارها، وتمنع الآخرين من فرض قواعد الاشتباك على أرضها. الخلاصة: العراق يستطيع أن يكون دولة حياد وتوازن، لكن الحياد يحتاج إلى دولة قوية تحميه.
والقوة تحتاج إلى حكمة تمنع استخدامها في غير موضعها. فالسيادة ليست أن نقول “لن نكون ساحةً لحروب الآخرين”، بل أن نمتلك من القوة والقرار ما يجعل هذا الكلام واقعاً لا مجرد موقف سياسي. العراق لا يريد حرب الآخرين… لكنه يجب أن يمتلك القدرة على حماية نفسه، وقراره، وسيادته.
