بيان المشكلة:
بعد فتح دمشق، طُرِحت العديد من الأسئلة حول سبب التقدم السريع والمفاجئ لقوات جبهة المقاومة، جيش بشار الأسد وروسيا، بالإضافة إلى دور الفاعلين الأجانب في تصميم هذه العمليات والمصالح المحتملة لهم في سوريا مستقبلاً. في هذا التقرير، تم محاولة تحليل الأخبار المتاحة للتطرق إلى السيناريوهات المحتملة حول تصرفات الفاعلين المختلفين في سوريا. أما منهج البحث في هذا التقرير، فقد اعتمد على الأخبار الميدانية الواضحة، ورصد مراكز الأبحاث، وإجراء مقابلات مع الخبراء، بالإضافة إلى مجموعات التركيز. وتُظهر نتائج هذا البحث أن الفراغ السياسي قد أدى إلى صعود “تحرير الشام” إلى سدة الحكم، وأن أيًا من خمسة الفاعلين الرئيسيين الأجانب (إيران، روسيا، تركيا، إسرائيل، والولايات المتحدة) لم يكن مستعدًا للسيطرة الكاملة على سوريا (لا الجزئية)، وأن الوضع الجديد قد أدى إلى أزمة في استراتيجياتهم وخططهم المستقبلية. أما الغموض في هذه الأزمة فهو سمة رئيسية، مما يجعل التنبؤ بالتحولات المستقبلية أمرًا محدودًا. ويبدو أن الولايات المتحدة وإسرائيل لا يرغبان في إقامة حكومة إسلامية في سوريا لأنها تهدد أمن الأكراد، إسرائيل، وتروج للإسلام السياسي في المنطقة. أما تركيا، فلا تملك القدرة على إدارة الأزمة السورية، مواجهة داعش، الأكراد، وإسرائيل عند استقرار حكومة “تحرير الشام” في سوريا، كما أن سوريا بشكل عام تُعد فخًا لتركيا. جبهة المقاومة، إيران، والعراق، وكذلك “تحرير الشام”، يسعون بشكل أكبر إلى إزالة التهديدات في علاقاتهم بدلاً من تعميقها. أما روسيا، فتركز أكثر على الحفاظ على قواعدها العسكرية في البحر الأبيض المتوسط من خلال التفاوض مع تركيا وإسرائيل. ويبدو أن مستقبل سوريا سيكون مشابهًا للحالة بين الحكومة الفيدرالية في العراق والوضع الليبي بعد القذافي.
التفسير التفصيلي: تحليل الخطط المحتملة للفاعلين المختلفين
الولايات المتحدة
تتمتع السياسة الخارجية الأمريكية في سوريا بتعقيدات كبيرة تتعلق بمجموعة من المصالح الاستراتيجية والأمنية، التي تظهر بوضوح خاصة في تعاملها مع مختلف الجماعات والفاعلين الإقليميين والدوليين. أحد الأهداف الرئيسية للولايات المتحدة في سوريا هو تأمين أمن إسرائيل، التي تُعد حليفًا استراتيجيًا في المنطقة. في هذا السياق، سعت الولايات المتحدة إلى دعم جماعات مثل الأكراد في شرق الفرات، الذين بالإضافة إلى دورهم الأمني في مكافحة داعش، يمثلون أيضًا حاجزًا دفاعيًا لإسرائيل.
بالإضافة إلى ذلك، تسعى الولايات المتحدة إلى الحد من نفوذ الجماعات الإسلامية المتشددة ومنع انتشار الإسلام السياسي في المنطقة، بهدف الحفاظ على الاستقرار على مختلف الأصعدة. إحدى النقاط المحورية في هذه السياسة تتمثل في مواجهة تهديدات داعش، الذي يشكل تهديدًا خطيرًا للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، وخاصة إسرائيل. ويلعب اللوبي الكردي في الولايات المتحدة وأوروبا دورًا مهمًا في دعم سياسة أمريكا تجاه الأكراد في شمال سوريا. وقد اتخذت الولايات المتحدة خطوات استراتيجية لضمان أمن الأكراد ومنع أي تهديد ضدهم في سوريا.
ومع ذلك، تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيق توازن بين تركيا وروسيا، وتعزيز وجودها في المنطقة، ويبدو أنها تسعى لتخفيف التوترات بين تركيا وروسيا، واستخدام ورقة الأكراد في محاولة لموازنة العلاقات بين هاتين الدولتين.
فيما يتعلق بالوضع المعقد في سوريا والمنافسات الإقليمية، تسعى الولايات المتحدة إلى التأثير في مستقبل “تحرير الشام”، وهي مجموعة غير رسمية تشارك في النزاع ضد النظام السوري. يمكن للولايات المتحدة، من خلال الاعتراف بـ”تحرير الشام” وإزالتها من قائمة الجماعات الإرهابية، زيادة المسؤولية الدولية على هذه الجماعة ورفع الضغوط العالمية عليها. هذا الأمر يمكن أن يُستخدم كأداة لتخفيف التوترات في سوريا مع الحفاظ على مصالح إسرائيل والأكراد.
وفي هذا السياق، قد يُعد هيكل سياسي مشابه لنظام الحكومة الفيدرالية في العراق، خاصة في كردستان، حلًا مناسبًا للولايات المتحدة لتقليل التوترات الداخلية في سوريا والمساعدة في تشكيل حكومة علمانية في شمال البلاد. هذا الهيكل يمكن أن يمنع إقامة حكومة إسلامية ويُساهم في تحقيق استقرار نسبي في المنطقة. ومن المحتمل أن يواجه هذا الحل معارضة شديدة من تركيا ذات التوجه العثماني الجديد تحت قيادة أردوغان.
في الختام، تعكس السياسة الخارجية الأمريكية في سوريا تعقيدات استراتيجية كبيرة، حيث تسعى إلى مواجهة التهديدات الأمنية المتنوعة والحفاظ على موقعها في المنافسات الإقليمية للنفوذ.
تركيا
لقد لعبت تركيا دورًا معقدًا ومتعدد الأوجه في الأزمة السورية، ويبدو أن هذا الدور سيستمر في التأثير بشكل كبير على العلاقات الإقليمية والدولية لهذا البلد في المستقبل. تُظهر سياسات تركيا في سوريا، من دعم الجماعات المعارضة لنظام بشار الأسد إلى إدارة التوترات مع الفاعلين الرئيسيين مثل الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران والجماعات المسلحة مثل هيئة تحرير الشام، استراتيجيات متعددة الطبقات ومتغيرة تتماشى مع أهداف تركيا قصيرة وطويلة المدى.
على المدى القصير، تسعى تركيا إلى استثمار واسع في تشكيل ودعم الحكومة السورية الجديدة. يشمل هذا النهج السعي للاعتراف بهذه الحكومة من قبل الغرب، وتسهيل انسحاب إسرائيل من سوريا، وتطبيع العلاقات مع الدول العربية وإسرائيل. كما فتحت تركيا حدودها لعودة اللاجئين السوريين وتدعم قوات “جيش الوطن” السورية في الاشتباكات في مدن مهمة مثل منبج وتل رفعت. على المدى الطويل، يبدو أن تركيا، بناءً على سياستها القائمة على عدم التصعيد، تسعى إلى خلق توازن في العلاقات بين الأكراد والحكومة المركزية السورية ضمن هيكل فدرالي. ستساعد هذه السياسة تركيا على خلق استقرار أكبر على حدودها والحفاظ على نفوذها في المنطقة.
تركيا تسعى لإعادة تعريف وتقوية علاقاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل. ونظرًا لدعم الولايات المتحدة لقوات سوريا الديمقراطية (SDF) التي يقودها الأكراد، عبرت أنقرة دائمًا عن قلقها من أنشطة هذه الجماعات بالقرب من حدودها. وفي الوقت نفسه، تحاول تركيا الضغط على الولايات المتحدة واستخدام نفوذها في سوريا للحد من دور الأكراد.
تركيا في موقع حساس فيما يتعلق بإدارة علاقاتها مع “هيئة تحرير الشام”. وعلى الرغم من أن هذه الجماعة تُصنف من قبل الأمم المتحدة والولايات المتحدة كجماعة إرهابية، فقد حاولت تركيا الحفاظ على نفوذها عليها واستخدامها لتحقيق أهدافها في سوريا. ومع ذلك، من غير الواضح إلى أي مدى ستتمكن تركيا من الحفاظ على سيطرتها على هذه الجماعة في المستقبل، نظرًا للطبيعة الأيديولوجية والجهادية لهذه الجماعة.
على الرغم من التعاون التكتيكي بين إيران وتركيا في الأزمة السورية، إلا أن هناك تنافسًا استراتيجيًا كبيرًا بينهما. أعربت إيران عن قلقها من دور إسرائيل والولايات المتحدة في تقوية “هيئة تحرير الشام” واتهمت تركيا بخلق فراغ سياسي يمكن أن يتم ملؤه من قبل الجماعات الإرهابية. من جهة أخرى، لا ترغب تركيا في مشاركة إيران في تحديد مستقبل سوريا ويفضلون تقليص نفوذ إيران في هذا البلد. قد يؤدي هذا التنافس إلى مزيد من التوترات بين البلدين في المدى الطويل.
تركيا في سياساتها في سوريا تسعى إلى الحفاظ على التوازن بين أهدافها القصيرة والطويلة المدى. تحاول تركيا، من خلال استغلال نفوذها في سوريا، إعادة تعريف علاقاتها مع الفاعلين الإقليميين والدوليين. ومع ذلك، ستظل التحديات مثل إدارة العلاقات مع “هيئة تحرير الشام”، والتنافس مع إيران، وتطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل، تُمثل تحديات معقدة وخطرة أمام أنقرة.
روسيا
لقد كان لسقوط نظام بشار الأسد في سوريا عواقب واسعة النطاق على روسيا، حيث شبه العديد من المحللين هذا الحدث بسقوط أفغانستان بالنسبة للولايات المتحدة. لقد شكل هذا السقوط ضربة استراتيجية لروسيا وأضعف مكانتها الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط. القواعد الجوية والبحرية في حميميم وطرطوس، التي كانت رمزًا لقوة روسيا في المنطقة، أصبحت الآن مهددة. روسيا، التي لا ترغب في الانسحاب الكامل من سوريا، تحاول تقليص وجودها وتحويل دور قواعدها إلى تأمين المواد الغذائية والوقود. يرى المحللون الإسرائيليون أن وجود روسيا في سوريا يشكل تهديدًا لمصالح إسرائيل. وقد حذرت مراكز الأبحاث الإسرائيلية من أن استمرار الوجود الروسي في سوريا سيجعل العمليات الجوية الإسرائيلية ضد البنى التحتية العسكرية السورية غير مكتملة.
من ناحية أخرى، من المحتمل أن تسعى روسيا للحفاظ على نفوذها في المنطقة من خلال إقامة علاقات وثيقة مع تركيا والجماعات الإرهابية. هذه العلاقات التي تم تفصيلها في مفاوضات الدوحة، قد تؤدي إلى تعميق التعاون بين روسيا وجماعات مثل “هيئة تحرير الشام”، وهو نهج يتشابه إلى حد كبير مع سياسات تركيا في المنطقة.
في المقابل، نسبت وسائل الإعلام الروسية سقوط نظام الاسد إلى تدخل الولايات المتحدة وإسرائيل، وقللت من دور تركيا في هذا السياق. في الوقت الذي لعبت فيه تركيا، عبر علاقاتها مع الجماعات المعارضة للأسد، دورًا محوريًا في تغيير المعادلات السورية. تسعى روسيا إلى تعميق علاقاتها مع تركيا لتغيير توازن القوى لصالحها ومنع المزيد من عزلتها في المنطقة. قد يؤدي هذا إلى مزيد من التعاون بين روسيا والجماعات الإرهابية، وهو المسار الذي تعارضه إسرائيل بشدة.
من جهة أخرى، تظهر التقارير المنشورة في “وول ستريت جورنال” أن روسيا تقوم بنقل أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة مثل صواريخ إس-300 وإس-400 وأجهزة أخرى من قاعدة حميميم إلى ليبيا. ويهدف هذا الإجراء إلى تعزيز مواقفها في شرق ليبيا تحت سيطرة خليفة حفتر، ويُظهر أن موسكو تسعى لتقليص تكاليف وجودها العسكري في سوريا وتحويل قدراتها العسكرية إلى مناطق أخرى.
بشكل عام، أدى سقوط بشار الأسد إلى تحديات متعددة بالنسبة لروسيا. فهذه الدولة تواجه الآن معضلة الحفاظ على قواعدها العسكرية في سوريا، وتعميق العلاقات مع تركيا والجماعات الإرهابية، وتراجع نفوذها الجيوسياسي في المنطقة. هذه الظروف المعقدة تشير إلى تغييرات جوهرية في معادلات الشرق الأوسط وإضعاف مكانة روسيا كقوة عالمية. ويبدو أن روسيا ستحتفظ بقواعدها العسكرية في سوريا، ولكنها ستغير طبيعتها من قواعد عسكرية إلى قواعد لوجستية واستطلاعية. وبالتالي، خلال المفاوضات المكثفة بين هيئة تحرير الشام والروس، تم تقديم اقتراحات من قبل الروس بشأن نقل الغذاء والوقود إلى هيئة تحرير الشام.
تحاول روسيا الحفاظ على وجودها في سوريا، ولكن هذا الوجود يعتمد أكثر من أي شيء آخر على التكاليف والظروف الإقليمية. تواجه موسكو تحديات مثل الضغوط الغربية، والصراعات الإقليمية، وتراجع الموارد. ومع ذلك، فإن الأهمية الاستراتيجية لسوريا بالنسبة لروسيا كجسر رابط مع البحر الأبيض المتوسط وأفريقيا، تجعل هذه الدولة تسعى للحفاظ على نفوذها في هذه المنطقة، حتى وإن كان ذلك يعني تقليص النفقات العسكرية والتركيز على المصالح الأساسية.
التلخيص والسيناريوهات المستقبلية في العراق
تُظهر نتائج هذا التقرير أن التطورات الأخيرة في سوريا، وخاصةً بعد سيطرة هيئة تحرير الشام والأزمة الناتجة عن ذلك، قد يكون لها تأثيرات عميقة على الوضع في العراق والعلاقات بين الفاعلين الإقليميين والدوليين. التحليل الحالي، الذي يعتمد على التغيرات في ميدان المعركة، والتغيرات الاستراتيجية للاعبين مختلفين وتحليل الأخبار الميدانية، يظهر أن سوريا على شفا أزمة جيوسياسية معقدة، قد تؤثر نتائجها بشكل كبير على العراق وعلى السياسات الداخلية والخارجية لهذا البلد. من أبرز التأثيرات التي قد تطرأ على العراق هي احتمال تمدد الأزمة الأمنية ونمو الجماعات المتطرفة. بالنظر إلى فراغ السلطة في سوريا وظهور هيئة تحرير الشام كقوة بارزة في المنطقة، قد يواجه العراق تهديدات مشابهة، خصوصاً في المناطق الحدودية بين سوريا والعراق في محافظات الأنبار ونينوى، حيث يمكن للجماعات الإرهابية والمليشيات، بالنظر إلى التركيبة العرقية والطائفية للمنطقة، أن تتمركز بسرعة فیها. من المحتمل أن يؤدي هذا الوضع إلى مزيد من عدم الاستقرار في العراق وزيادة نشاط الجماعات المتطرفة.
علاوة على ذلك، قد تؤثر تطورات سوريا على العلاقات بين إيران والعراق بشكل مزدوج. من جهة، باعتبارها إحدى القوى الرئيسية في سوريا والداعمة لجبهة المقاومة، من المحتمل أن تسعى إيران إلى استخدام نفوذها في العراق لدعم الحشد الشعبي ومواجهة التهديدات الناجمة عن هيئة تحرير الشام. من جهة أخرى، قد تواجه إيران تحديات في تأمين الاستقرار في سوريا والعراق، حيث أن زيادة قوة هيئة تحرير الشام وتفاقم الأزمات في سوريا قد تجعل إدارة هذه الأزمات في العراق أكثر تعقيداً.
فيما يخص تركيا، من المحتمل أن تؤدي تطورات سوريا إلى تصعيد التوترات في العلاقات بين تركيا والعراق. تركيا التي تواجه قضايا الأكراد في سوريا والعراق، قد تشعر بتهديدات جديدة على حدودها الجنوبية مع تمدد نفوذ جماعات مثل هيئة تحرير الشام في سوريا. هذا قد يؤدي إلى تعزيز حساسية تركيا تجاه أمنها الداخلي وزيادة الضغط على الحكومة العراقية بشأن السيطرة وإدارة وضع الأكراد في شمال العراق.
في النهاية، ستكون تأثيرات تطورات سوريا على العراق معقدة وغير قابلة للتنبؤ. على الرغم من أن العراق كدولة جارة وشريك لإيران في جبهة المقاومة، فإنه قد يكون جزءاً من بعض الأزمات، إلا أن الوضع الحالي في سوريا قد يؤدي إلى تصعيد التنافسات والصراعات الداخلية في العراق. لذلك، يمكن تصور أربعة سيناريوهات للعراق:
- ضعف محور المقاومة من خلال حل أو دمج بعض فصائل الحشد الشعبي في الجيش العراقي.
- زيادة التوتر بين إيران وجبهة المقاومة مع الولايات المتحدة عبر القنوات الدبلوماسية في الغالب، وأقل عبر القنوات العسكرية.
- زيادة التوتر بين إيران وجبهة المقاومة مع الجماعات المسلحة السنية المدعومة من الولايات المتحدة وهيئة تحرير الشام.
- تصعيد التوترات من خلال صراع مباشر بين الولايات المتحدة وإيران، وانتقال هذا الصراع إلى الحدود العراقية.
يبدو أن السيناريو الأول في العراق هو الأكثر احتمالاً مقارنة ببقية السيناريوهات.


