المقدمة
يرى العديد من المحللين الإقليميين والدوليين أن أزمة سوريا، بعد سقوط حكومة بشار الأسد، قد تغيّر توازن القوى في منطقة الشرق الأوسط بشكل ملحوظ. وفي هذا السياق، يتابع الكيان الصهيوني، باعتباره لاعبًا يسعى دائمًا وفقًا لعقيدة بن غوريون للاستفادة من إضعاف الدول المستقلة في المنطقة، تطورات الأحداث في سوريا بقلق ودقة. من ناحية أخرى، وبسبب انتشار التأثير المتسلسل للأزمات السياسية والأمنية في منطقة غرب آسيا، وضعت أزمة سوريا توازن القوى في المنطقة أمام تحديات جديدة. في هذا المقال، سنناقش هذه القضية من وجهة نظر أبرز المحللين السياسيين.
تعزيز أو تقليص النفوذ الإيراني في العراق وسوريا
يعتقد كريستيان ألكسندر، الباحث في أكاديمية ربدان للأمن والدفاع، أن انهيار نظام بشار الأسد سيجعل الجمهورية الإسلامية الإيرانية تعمل أكثر من أي وقت مضى على تعزيز مكانتها في العراق لتعويض فقدان نفوذها في سوريا. فقد سعت طهران في السنوات الأخيرة، من خلال استخدام الجماعات المقاومة والميليشيات المتحالفة معها في العراق وسوريا، إلى الاستفادة من الممرات البرية في هذين البلدين لتحقيق أهدافها الإقليمية ولمواجهة مؤامرات الكيان الصهيوني.
ويؤكد هذا المحلل أن إيران ستستمر في الحفاظ على نفوذها غير المباشر في سوريا عبر هذه الممرات الحدودية المشتركة والجماعات المقاومة، التي تتمثل مهمتها الرئيسية في الحفاظ على خطوط الإمداد ودعم العناصر المؤيدة لمحور المقاومة في سوريا؛ وهو أمر قد يثير غضب الكيان الصهيوني وحلفائه الغربيين.
ومن ناحية أخرى، يطرح علي باقر، الباحث في معهد المجلس الأطلسي الأمريكي وأستاذ جامعة قطر، وجهة نظر مختلفة. فهو يعتقد أن سقوط نظام الأسد سيضع الميليشيات العراقية تحت ضغوط داخلية ودولية كبيرة، مما قد يجعلها تقترب الی الحكومة المركزية العراقية تدريجيًا وتبتعد عن النهج الإقليمي لإيران. وإذا حدث ذلك، فمن المرجح أن يعمل الكيان الصهيوني بقوة على استغلال هذه الفرصة لتعميق الفجوة بين هذه الجماعات وإيران، مما يؤدي إلى إضعاف محور المقاومة بشكل أكبر.
فراغ السلطة وخطر تصاعد التطرف
تعد إحدى أهم المخاوف لدى دول المنطقة والولايات المتحدة هي كيف يمكن أن يؤدي سقوط حكومة الأسد إلى خلق فراغ في السلطة، وبالتالي انتشار التطرف. ففي ظل غياب الاستقرار في الحكومة المركزية الجديدة، تتوفر الظروف المناسبة لظهور الجماعات الإرهابية مجددًا؛ وهي جماعات سبق لها أن أشعلت الفوضى في سوريا بدعم مباشر أو غير مباشر من بعض القوى مثل تركيا والكيان الصهيوني.
هذا الواقع يضاعف من قلق الدول المجاورة وشعوب المنطقة، حيث يؤدي ترسيخ التطرف إلى تفاقم الأزمات الإنسانية وزيادة عدم الاستقرار الإقليمي، مما يمنح الكيان الصهيوني فرصة لتبرير تدخلاته الأمنية بشكل أكبر.
ومن ناحية أخرى، أكدت ماريا زاخاروفا، المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، على أهمية ضمان أمن المواطنين والمنشآت العسكرية والدبلوماسية الروسية في سوريا. وتشير التقارير إلى انسحاب تدريجي أو محدود للقوات الروسية من قاعدة طرطوس البحرية وتقليل عدد الطائرات في قاعدة حميميم الجوية. هذه التطورات تثير تساؤلات حول مستقبل الوجود العسكري الروسي في سوريا واحتمالية تغير توازن القوى على حساب محور المقاومة؛ وهو تغيير سيرحب به الكيان الصهيوني بطبيعة الحال.
مشكلة قطع طريق دعم إيران لحزب الله في لبنان
يعد أحد أبرز تداعيات سقوط دمشق على محور المقاومة هو انسداد أو تقليص طريق الإمدادات البرية بين إيران وحزب الله في لبنان. فقد كانت طهران تعتمد في السابق على الأراضي السورية والعراقية لدعم حزب الله لوجستيًا، ولكن السيطرة على أجزاء كبيرة من طرق المواصلات من قبل جماعات المعارضة أو قوى مجهولة قد تحد من وصول إيران إلى حزب الله بشكل عملي.
ومن وجهة نظر اللواء المتقاعد وهبة قطيشة، فإن سقوط الحكومة السورية سيعرض خطوط الإمداد بين إيران وحزب الله للخطر، مما قد يفرح الكيان الصهيوني، حيث سيؤدي ذلك إلى إضعاف قدرات المقاومة في لبنان. ومع ذلك، أثبتت التجربة أن حزب الله لم يعتمد فقط على مسار واحد للحفاظ على بنيته الدفاعية وتقويتها، بل تمكن من تجاوز العقوبات والضغوط المفروضة عليه من أعدائه عبر وسائل متنوعة.
تركيا والدول العربية في سعيها نحو النفوذ
لعبت تركيا وبعض الدول العربية مثل السعودية والإمارات خلال السنوات الأخيرة دورًا حاسمًا في التطورات السورية وإعادة توجيه توازن القوى في غرب آسيا. فقد اتبعت تركيا سياسة متعددة الأوجه، تسعى من خلالها إلى تأمين حدودها الجنوبية من نفوذ الجماعات المسلحة والمسلحين الأكراد، ومن ناحية أخرى تسعى لأن تصبح قوة مستقلة في الحسابات الجيوسياسية للمنطقة، وحتى في مواجهة الكيان الصهيوني، باعتبارها زعيمة العالم السني تحت مظلة الإسلام الإخواني.
في هذا السياق، فإن بعض الدول العربية التي كانت في البداية تدعم المبادرات الغربية بشكل مباشر أو غير مباشر، غيرت مواقفها أو خففت من حدة سياساتها بعدما شهدت النتائج الكارثية للصراع الداخلي وتصاعد قوى التطرف.
تحديات المقاومة ومستقبل النظام في الشرق الأوسط
يثير سقوط حكومة بشار الأسد تساؤلات كبيرة حول استراتيجية محور المقاومة المستقبلية، وخاصة إيران وحزب الله. فالجمهورية الإسلامية الإيرانية ستضطر إلى إعادة النظر في هيكل نفوذها الإقليمي، واعتماد مبادرات جديدة في المجالات الدبلوماسية والأمنية والإعلامية؛ مبادرات يمكن أن تكون فعالة ضد خطط الكيان الصهيوني وحلفائه الإقليميين والدوليين.
الخاتمة
بغض النظر عن النتيجة النهائية للأزمة السورية، هناك حقيقة واضحة: إن النظام السياسي والعسكري في غرب آسيا يمر بمرحلة إعادة تعريف جوهرية. قد تؤدي الأزمة السورية إلى تغيير توازن القوى في المنطقة لصالح الكيان الصهيوني، مما يمنح الولايات المتحدة وحلفاءها مجالًا أكبر للتدخل. وعلى الجانب الآخر، سيتعين على محور المقاومة تبني استراتيجيات مبتكرة قادرة على منع تحقيق السيناريوهات المدمرة التي يخطط لها الصهاينة وحلفاؤهم الغربيون في المنطقة. لا يزال من الواجب انتظار ما ستؤول إليه هذه الصراعات المعقدة في سوريا وكيف ستؤثر على مستقبل الشرق الأوسط.


