تطرح الدراسة رؤية تتجاوز التعامل التقليدي مع مشروعات الطاقة والمياه والصناعة بوصفها قطاعات منفصلة، وتتجه نحو بناء منظومة إنتاجية مترابطة في ميناء الفاو الكبير والمنطقة الاقتصادية الحرة، يكون فيها إنتاج الطاقة وتحلية المياه ومعالجة مياه الصرف واسترداد الموارد والصناعات الكيميائية حلقات ضمن دورة اقتصادية واحدة. ومن هذه الزاوية، لا تتمثل القيمة الأساسية للمشروع في إنشاء محطة كهرباء أو منشأة تحلية جديدة، وإنما في محاولة إعادة صياغة العلاقة بين الموارد والطاقة والصناعة داخل نموذج يقوم على التكامل الصناعي والاقتصاد الدائري.
تنطلق الرؤية من تشخيص واضح لمشكلة بنيوية في الاقتصاد العراقي، تتمثل في استمرار الاعتماد المرتفع على الإيرادات النفطية، في مقابل محدودية مساهمة القطاعات الصناعية والتحويلية والطاقة المتجددة والأنشطة ذات القيمة المضافة في الاقتصاد الوطني. وفي الوقت نفسه، يواجه العراق تحديات متزايدة في الكهرباء والمياه ومعالجة مياه الصرف، إلى جانب الاعتماد على استيراد عدد كبير من المنتجات والمواد التي يمكن، وفق منطق الدراسة، إنتاجها محلياً إذا توفرت بنية صناعية وطاقة ومياه متكاملة. لذلك تنظر الدراسة إلى المشروع المقترح بوصفه أداة لإعادة بناء جزء من القاعدة الإنتاجية، وليس مجرد استجابة لمشكلة نقص الطاقة.
وتكتسب منطقة الفاو أهمية مركزية في هذه الرؤية. فميناء الفاو الكبير، والمنطقة الاقتصادية الحرة، ومشروع طريق التنمية، والمناطق الصناعية والخدمات اللوجستية المخطط لها، يمكن أن تنقل جنوب العراق من وظيفة تصدير المواد الأولية واستقبال السلع المستوردة إلى وظيفة أكثر تعقيداً تقوم على الإنتاج والتصنيع وإعادة التصدير والخدمات اللوجستية. وبذلك يصبح توفير الطاقة والمياه والمواد الأولية الصناعية داخل المنطقة شرطاً لنجاح المشروع الاقتصادي الأكبر المرتبط بميناء الفاو، لا مجرد خدمة مساندة له.
في قلب هذه المنظومة تضع الدراسة محطة للطاقة الشمسية الحرارية المركزة CSP بتقنية البرج الشمسي. ويأتي اختيار هذه التقنية لسبب يتجاوز إنتاج الكهرباء؛ إذ تسمح بتوليد حرارة صناعية مرتفعة، فضلاً عن تخزين الطاقة في الأملاح المنصهرة، بما يتيح استمرار التشغيل بعد غروب الشمس وخلال فترات انخفاض الإشعاع. وبهذا تختلف وظيفتها في التصور المقترح عن المحطات الشمسية التقليدية القائمة على الخلايا الكهروضوئية، لأنها تتحول إلى مركز لإدارة الطاقة داخل المجمع الصناعي، يزوّد الشبكة بالكهرباء، وفي الوقت نفسه يوفّر الحرارة والبخار لمنشآت التحلية والصناعات الكيميائية والعمليات الصناعية الأخرى.
وتستند الدراسة في هذا الاختيار إلى الخصائص المناخية للبصرة والفاو، حيث تشير إلى مستويات مناسبة من الإشعاع الشمسي المباشر تسمح بتشغيل محطات الأبراج الشمسية بكفاءة مقبولة. وتقترح مرحلة أولى بقدرة 100 ميغاواط، مع قابلية التوسع لاحقاً، ونظام تخزين حراري يصل إلى نحو 12 ساعة. ويعني ذلك أن الفكرة لا تقوم على إنتاج متقطع مرتبط حصراً بساعات النهار، وإنما على توفير قدر أكبر من الاستقرار التشغيلي، وهو أمر بالغ الأهمية عندما ترتبط المحطة بمنشآت صناعية وتحلية مياه تحتاج إلى إمداد مستمر بالطاقة.
لكن الأهمية الأكبر للرؤية تظهر عند الانتقال من الطاقة إلى المياه. فالدراسة لا تنظر إلى تحلية مياه البحر باعتبارها عملية تنتهي بإنتاج المياه العذبة والتخلص من المحلول الملحي، بل تسعى إلى تحويل محطة التحلية نفسها إلى جزء من سلسلة إنتاج صناعية. فالحرارة والبخار المتاحان من محطة CSP يمكن استخدامهما في عمليات التحلية، بينما تُوجَّه المياه المنتجة إلى الميناء والمنطقة الاقتصادية الحرة والمنشآت الصناعية والخدمات والسكان، بما يسهم في معالجة أحد أكثر التحديات حساسية في البصرة، وهو تراجع نوعية المياه وارتفاع الملوحة والضغط المتزايد على الموارد العذبة.
أما المحلول الملحي المركز الناتج عن التحلية، الذي يمثل في المشروعات التقليدية عبئاً بيئياً، فيتحول في هذه الرؤية إلى مورد اقتصادي. وتقترح الدراسة استخلاص الأملاح والمركبات والمعادن منه، ومن بينها كلوريد الصوديوم ومركبات المغنيسيوم والكالسيوم والبوتاسيوم والبروم ومشتقاته. وهنا تظهر فلسفة المشروع بصورة أوضح: فالمادة التي تُعامل عادة باعتبارها نفاية تتحول إلى مادة أولية للصناعة الكيميائية، بما يخفض الأثر البيئي للتصريف في البيئة البحرية ويولد في الوقت نفسه نشاطاً اقتصادياً جديداً.
ويُطبّق المنطق نفسه على مياه الصرف الصحي. فبدلاً من إنشاء محطة معالجة غايتها التخلص الآمن من المياه الملوثة، تقترح الدراسة مركزاً لاسترداد الموارد قادرًا على إنتاج مياه معالجة قابلة لإعادة الاستخدام، وغاز حيوي، وأسمدة عضوية ومعدنية، ومغذيات قابلة للاسترداد، وغازات ومواد يمكن الاستفادة منها صناعياً. ويُعد الغاز الحيوي، ولا سيما الميثان المستخلص منه، عنصراً مهماً في منظومة التكامل، إذ يمكن استخدامه لتوفير طاقة احتياطية خلال فترات انخفاض الإشعاع الشمسي، بما يرفع مرونة المنظومة ويقلل حاجتها إلى الوقود الأحفوري التقليدي.
وبذلك تتشكل داخل المجمع دورة متكاملة: الطاقة الشمسية تنتج الكهرباء والحرارة؛ والحرارة تشغّل التحلية والصناعات؛ والتحلية تنتج المياه وشوراً غنية بالأملاح؛ ومياه الصرف تتحول إلى مياه معالجة وغاز وأسمدة؛ وهذه المخرجات تغذي بدورها الصناعات الكيميائية والتحويلية. هذه العلاقة هي ما يمنح المشروع طابعه المختلف عن المشروعات المنفصلة، لأنها ترفع معدل الاستفادة من كل وحدة من الطاقة والمياه والمواد الخام، وتخفض الفاقد وتكاليف التخلص من المخلفات.
وتقترح الدراسة أن تكون الصناعات الكيميائية أحد المحركات الاقتصادية الرئيسة للمجمع، بحيث لا يقتصر النشاط على إنتاج الكهرباء والمياه، وإنما يمتد إلى منتجات مثل الكلور والصودا الكاوية ومركبات معالجة المياه والأسمدة والأملاح الصناعية ومركبات المغنيسيوم والبروم والغازات الصناعية، مع إمكانية التوسع مستقبلاً نحو الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء. ويمثل هذا الجانب محاولة للانتقال من اقتصاد بيع المواد الأولية إلى اقتصاد تصنيع المشتقات ورفع القيمة المضافة المحلية.
كما أن توطين هذه الصناعات في منطقة الفاو يمكن، وفق الرؤية المطروحة، أن يولّد أنشطة أخرى مرتبطة بها، من الصناعات البحرية وصيانة السفن إلى الصناعات المعدنية والغذائية ومواد البناء والتخزين وإعادة التصدير. ومن ثم لا تُقاس آثار المشروع فقط بما ينتجه مباشرة، وإنما أيضاً بقدرته على تشكيل عنقود صناعي يجذب الاستثمارات ويولد الطلب على الخدمات والعمالة والتكنولوجيا.
اقتصادياً، يكتسب تنويع مصادر الإيرادات أهمية خاصة، لأن المشروع لا يعتمد على منتج واحد. فإلى جانب بيع الكهرباء، توجد عوائد محتملة من المياه المحلاة والمياه الصناعية والغاز الحيوي والأسمدة والأملاح والمواد الكيميائية والخدمات المرتبطة بالمجمع. وهذا التنويع من شأنه، وفق الدراسة، أن يقلل المخاطر مقارنة بمشروع أحادي النشاط ويمنحه مرونة أكبر أمام تقلبات الأسعار والأسواق.
مع ذلك، يكشف التحليل المالي في الدراسة أن ضخامة المشروع تفرض تحدياً حقيقياً يتعلق بحجم الاستثمار والعائد المالي المباشر. فالنتائج الأولية لمؤشرات مثل القيمة الحالية الصافية ومعدل العائد الداخلي ونسبة المنافع إلى التكاليف لا تجعل المشروع، في صيغته الأولية، مشروعاً يمكن الحكم عليه استناداً إلى معيار الربحية التجارية التقليدية وحده. ولهذا تؤكد الدراسة الحاجة إلى التنفيذ المرحلي، وتعظيم إيرادات المنتجات الصناعية عالية القيمة، والاستفادة من أدوات التمويل الأخضر، فضلاً عن احتساب المنافع الاقتصادية غير المباشرة، مثل تقليل الاستيراد، وتحسين أمن المياه والطاقة، وخلق فرص العمل، وخفض الانبعاثات، وبناء قدرات صناعية وطنية.
وهذه النقطة جوهرية في تقييم المشروع؛ لأن الرؤية تجمع بين مشروع استثماري ومنظومة بنية تحتية استراتيجية. ومن ثم فإن تقييمه على أساس تدفقات نقدية مباشرة فقط قد لا يعكس كامل قيمته الاقتصادية، لكن ذلك في المقابل لا يلغي الحاجة إلى نموذج مالي أكثر دقة، وإلى ضبط الافتراضات المتعلقة بالسعات الإنتاجية والأسعار والأسواق ومراحل التوسع قبل الانتقال إلى قرار استثماري نهائي.
وفي جانب التمويل، تقترح الدراسة نموذجاً يوزع المخاطر والمسؤوليات بين الدولة والقطاع الخاص والجمهور، من خلال إنشاء شركة مساهمة مختلطة تمتلك الحكومة العراقية فيها 51%، ويملك المستثمرون والشركات المحلية والأجنبية 30%، فيما يخصص 19% للاكتتاب العام. ويهدف هذا النموذج إلى الجمع بين احتفاظ الدولة بالسيطرة الاستراتيجية على المشروع وبين الاستفادة من التمويل والخبرة والكفاءة التشغيلية للقطاع الخاص، مع فتح المجال أمام مشاركة المواطنين في ملكية أصل اقتصادي طويل الأمد. كما تشدد الدراسة على أهمية الحوكمة والإفصاح والتدقيق وتطبيق المعايير الدولية للتقارير المالية لضمان ثقة المستثمرين واستدامة النموذج التمويلي.
بيئياً، يقوم المشروع على تقليل استهلاك الوقود الأحفوري، وخفض الانبعاثات الكربونية، وإعادة استخدام المياه، وتقليل تصريف النفايات والمحلول الملحي، وتحويل جزء كبير من المخلفات إلى موارد إنتاجية. ومن هذه الزاوية، لا تُعامل الاستدامة كتكلفة إضافية، بل كجزء من النموذج الاقتصادي نفسه؛ إذ تتحول عمليات خفض النفايات واسترداد الموارد إلى مصادر دخل أو إلى وسائل لتقليل التكاليف.
وعليه، فإن القيمة الاستراتيجية للمقترح تكمن في كونه محاولة لإعادة تعريف دور ميناء الفاو في الاقتصاد العراقي. فإذا اقتصر الميناء على حركة البضائع، فستبقى قيمته مرتبطة أساساً بالنقل والخدمات اللوجستية؛ أما إذا أحاطت به شبكة متكاملة من الطاقة والمياه والصناعات الكيميائية والتحويلية واسترداد الموارد، فإنه يمكن أن يتحول إلى قاعدة إنتاجية ولوجستية أوسع ترتبط بمشروع طريق التنمية والأسواق الإقليمية والدولية.
وفي المحصلة، تقدم الدراسة تصوراً طموحاً للانتقال من إدارة الموارد بصورة قطاعية إلى إدارتها ضمن منظومة اقتصادية دائرية ومتكاملة. غير أن الانتقال من الرؤية إلى التنفيذ يتطلب دراسات هندسية وسوقية ومالية أكثر تفصيلاً، وتحديداً دقيقاً لمراحل المشروع وسعاته، وإطاراً مؤسسياً موحداً لإدارة العلاقة بين وحداته المختلفة. ونجاح المشروع، وفق منطق الدراسة نفسها، لا يتوقف على توافر التكنولوجيا أو الموارد الطبيعية فحسب، بل يعتمد أيضاً على جودة الحوكمة، وقدرة الدولة على جذب رأس المال ونقل التكنولوجيا وإدارة مشروع متعدد القطاعات على مدى زمني طويل حتى عام 2050.


