
يقف الاقتصاد العراقي عند مفترق طرق حرج يُعيد إلى الأذهان المعضلة الهيكلية التي واجهت النماذج الاقتصادية الكنزية في سبعينيات القرن الماضي. فبعد عقود من اعتماد السياسات الاقتصادية على “منحنى فيليبس” الذي افترض وجود علاقة عكسية حتمية بين البطالة والتضخم — حيث يُضحى بأحدهما للسيطرة على الآخر — جاءت ظاهرة “التضخم الركودي” (Stagflation) لتكشف قصور هذه الفرضية. فقد أدى التزامن بين ارتفاع معدلات البطالة وارتفاع أسعار السلع وانخفاض الانتاج إلى وضع واضعي السياسات النقدية والمالية في أزمة حقيقية، حيث تصبح الأدوات التقليدية للتحفيز أو الارتكاز عاجزة عن معالجة الطرفين في وقت واحد.
في هذا السياق المتأزم، صاغ الاقتصادي آرثر أوكن “مؤشر الضيق” كمقياس كمي يختزل حجم الضغط المزدوج الواقع على كاهل المجتمع من خلال الجمع المباشر لمعدلي البطالة والتضخم:
عند تطبيق هذا المؤشر على الواقع العراقي، تظهر خطورة الموقف بشكل جلي؛ فالتضخم يلتهم القدرة الشرائية للدينار العراقي ويبدد قيمة الأجور الفعلية او الحقيقية، بينما تحرم البطالة الهيكلية قطاعات واسعة ولا سيما الشباب من الحصول على أصل الدخل مع انخفاض الانتاج.
قراءة تحليليّة في ديناميكيات الاقتصاد العراقي
توضح البيانيات الاقتصادية أدناه سلوك “مؤشر الضيق” ومكوناته الأساسية في العراق، حيث يُظهر التحليل البياني تضافر عوامل التضخم المستورد والصدمات الهيكلية مع ارتفاع مستويات البطالة:
تُظهر البيانات التحليلية الموضحة في الرسم البياني ثلاثة مسارات رئيسية:
١-جمود معدل البطالة يستقر معدل البطالة عند مستويات مرتفعة تترواح بين 14\% و 16.5\%. هذا الثبات الهيكلي يشير إلى عجز القطاع العام عن استيعاب التدفقات السنوية لداخلين الجدد إلى سوق العمل، مقابل ضمور حركة الإنتاج في القطاع الخاص.
٢- قفزات التضخم شهد الاقتصاد العراقي موجات تضخمية متفاوته، بلغت ذروتها في أعقاب تعديل سعر صرف الدينار والصدمات السعرية لسلاسل الإمداد العالمية (2020-2021)، حيث تجاوز التضخم حاجز 6\% قبل أن يبدأ بالانخفاض التدريجي.
٣- ارتفاع مؤشر الضيق نتيجة لتزامن البطالة العالية مع ضغوط الأسعار، صعد “مؤشر الضيق” ليلامس مستويات حارجة قرب 22.5\% في ذروة الأزمة، مما يفسر تزايد حدة الضغوط المعيشية وتراجع مستويات الرفاه الاقتصادي للأسر العراقية.
جذور المعضلة: الهيمنة الريعية ومزاحمة الدولة
تكمن العلة الأساسية للاقتصاد العراقي في الاعتماد شبه الكلي على الإيرادات النفطية الريعية لتغدية الموازنة التشغيلية. لقد أدى تضخم الجهاز الحكومي وتوسع التعيينات الإدارية غير المنتجة إلى نشوء ظاهرة “المزاحمة الاقتصادية” ، حيث تستنزف رواتب القطاع العام ومستلزماته التشغيلية الموارد المالية التي كان يفترض توجيهها للاستثمار الهيكلي في البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية كالصناعة والزراعة.
علاوة على ذلك، تُكبل البيروقراطية المعقدة وتذبذب القوانين الاستثمارية بيئة الأعمال، مما يجعل كلفة إنشاء المشاريع وحمايتها مرتفعة للغاية. هذا المناخ الطارد للرأسمال الوطني والأجنبي يدفع الاقتصاد نحو مزيد من الانكماش في النشاط الخاص، وبالتالي يفاقم مشكلة البطالة ويحد من قدرة السوق على الاستجابة لزيادة الطلب المحلي، وهو ما يغذي التضخم عبر الاستيراد المكثف للسلع الاستهلاكية.
المقاربة الفوردية نحو تحرير طاقات السوق والقطاع الخاص
لتفكيك هذه الحلقة المفرغة، يحتاج العراق إلى تبني رؤية اقتصادية جذرية تتسق مع المقاربة التي أعلنها الرئيس الأمريكي جيرالد فورد عام 1975، والتي تقوم على رفع القيود والأغلال عن كاهل بيئة الأعمال، وتقليص تدخل الدولة الإداري في حركة السوق. إن الانتقال من فلسفة “الدولة الرعاية للمهن” إلى فلسفة “الدولة المُمكّنة والمنظمة” يتطلب تنفيذ إصلاحات هيكلية شاملة ترتكز على المحاور التالية:
١- الإصلاح التشريعي والإداري: إلغاء اللوائح البيروقراطية المعقدة، وأتمتة المعاملات الحكومية للحد من الفساد المالي والإداري الذي يمثل ضريبة خفية ترفع تكاليف الإنتاج على المستثمرين.
٢- تمكين القطاع الخاص وتسهيل الائتمان: تفعيل دور الجهاز المصرفي في إسناد المشاريع الصغيرة والمتوسطة ، وتوفير ضمانات سيادية للقروض الإنتاجية لتوليد فرص عمل مستدامة بعيداً عن التوظيف الحكومي.
٣- إعادة هيكلة الدعم والإنفاق العام: تحويل الدعم غير المباشر والمستنزف للموارد إلى استثمارات مباشرة في قطاعات الطاقة، واللوجستيات، والتعليم الفني، مما يرفع الكفاءة الإنتاجية للاقتصاد ويقلل الاعتماد على السلع المستوردة.
٤-استقلالية وضبط السياسات النقدية: ضمان استقرار أسعار الصرف وكبح جماح التضخم عبر سياسات نقدية مرنة تحمي القوة الشرائية للدينار دون الإضرار بالنمو الاقتصادي.
إن خفض “مؤشر الضيق” في العراق لن يتأتى عبر الحلول الترقيعية أو استمرار التعيينات الحكومية غير المنتجة. إن السبيل الوحيد المستدام يكمن في إزاحة القيود عن القطاع الخاص، وإفساح المجال أمام المبادرة الفردية والشركات الوطنية لتقود عجلة النمو، مما يضمن كسر طوق التضخم الركودي وتوفير حياة كريمة للمواطن.


