حماية المستهلك المالي في العراق: بين وهم ضمان الودائع ومعضلة البُعد الزمني

حماية المستهلك المالي في العراق بين وهم ضمان الودائع ومعضلة البُعد الزمني
تثير أزمة مصرف الطيف إشكالية جوهرية في حماية المودعين بالعراق؛ إذ لا تكمن فعالية ضمان الودائع في حجم التعويض فقط، بل في سرعة الوصول إليه، ما يستدعي إصلاح آجال الوصاية وتفعيل التعويض والسيولة الطارئة....

تسلط الأزمة الأخيرة التي شهدها مصرف الطيف الإسلامي الضوء على إحدى أكثر القضايا تعقيداً وحساسية في القطاع المصرفي العراقي، وهي قضية «حماية المستهلك المالي» ومدى فاعلية التشريعات والإجراءات التنفيذية في إعادة بناء الثقة بين المواطن والجهاز المصرفي. وقد قرر البنك المركزي العراقي فرض الوصاية على المصرف في 3 أيلول/سبتمبر 2026، قبل أن يؤكد لاحقاً أن الوصاية إجراء رقابي احترازي لا يعني إفلاس المصرف، وأن أموال المودعين تتمتع بالحماية القانونية ضمن منظومة الرقابة وضمان الودائع.

وإن كان الحديث السائد في الأوساط الاقتصادية يدور غالباً حول «نسب التعويض» وحجم الأموال التي تكفلها الشركة العراقية لضمان الودائع، فإن القراءة الأعمق للواقع العملي تثبت أن المشكلة الحقيقية لا تنحصر في القيمة المالية المستردة، بل تكمن أيضاً في العنصر الزمني؛ أي متى يتسنى للمودع الحصول على أمواله والانتفاع بها فعلياً. وهذا البعد يكتسب أهمية خاصة في قطاع بلغت فيه الودائع المصرفية نحو 127.6 تريليون دينار في الربع الثالث من 2024، منها قرابة 18.7 تريليون دينار لدى المصارف الخاصة، ما يجعل الثقة بإمكانية الوصول إلى الوديعة عنصراً أساسياً في الاستقرار المصرفي نفسه.

كابوس الوصاية الممتدة: دروس التاريخ المصرفي العراقي

تُعد أداة «فرض الوصاية» التي يمارسها البنك المركزي العراقي إجراءً تنظيمياً وهيكلياً يهدف إلى معالجة الإخلالات الإدارية والمالية في المصارف المتعثرة، وإعادة تنظيم السيولة والموجودات وتفادي التصفية متى كانت إعادة التأهيل ممكنة. غير أن الإشكالية تكمن في أن المرحلة التحفظية قد تتحول عملياً إلى حالة تجميد طويلة الأجل.

ويعزز قانون المصارف رقم 94 لسنة 2004 هذه المخاوف الزمنية؛ إذ يجيز تعيين الوصي لمدة تصل إلى 18 شهراً، مع إمكان تمديدها مرة واحدة لمدة لا تتجاوز 18 شهراً أخرى، بما يعني أن الإطار القانوني يسمح نظرياً باستمرار الوصاية حتى 36 شهراً. وفي المقابل، يوجب القانون على الوصي تقديم تقرير عن المركز المالي للمصرف وآفاقه وخطة العمل المقترحة التي قد تنتهي بإعادة التأهيل أو الإفلاس.

وتقدم التجربة العراقية أمثلة واضحة على حساسية هذا العامل. فقد وضع البنك المركزي مصرف الوركاء تحت الوصاية في 29 شباط/فبراير 2012، واستمرت تداعيات إعادة تأهيله سنوات، فيما خضع مصرف الاقتصاد للاستثمار والتمويل للوصاية عام 2014 قبل رفعها في شباط/فبراير 2017.

وخلال هذه الفترات يجد المودع نفسه في منطقة رمادية: عاجزاً عن الوصول الكامل إلى حسابه، وفي الوقت ذاته غير قادر بالضرورة على المطالبة بالتعويض النهائي، لأن المصرف لم يدخل بعد مرحلة الإفلاس أو التصفية التي تفعّل بصورة كاملة شبكة ضمان الودائع.

تشريح آلية الضمان الهيكلية وتحدياتها

عند الانتقال إلى الجانب التشريعي الخاص بالشركة العراقية لضمان الودائع، نجد أن الشركة، التي يبلغ رأسمالها 100 مليار دينار، تعتمد نظاماً للتعويض يمنح أعلى درجات الحماية للودائع الصغيرة.

فالودائع من دينار واحد حتى 25 مليون دينار تُغطى بنسبة 100%، ومن أكثر من 25 مليوناً حتى 50 مليوناً بنسبة 30%، ومن أكثر من 50 مليوناً حتى 100 مليون بنسبة 20%، ومن أكثر من 100 مليون حتى 250 مليوناً بنسبة 10%، ومن أكثر من 250 مليوناً حتى 500 مليون بنسبة 5%، فيما تبلغ النسبة 4% للودائع التي تزيد على 500 مليون حتى مليار دينار.

ورغم أن هذه الهيكلية مصممة أساساً لحماية صغار المودعين والحد من المخاطر التي يتحملها نظام الضمان، فإنها تجعل أصحاب الودائع المتوسطة والكبيرة أكثر تعرضاً للخسارة. والأهم أن القيمة العملية لهذه النسب تتضاءل إذا ظل المودع سنوات في انتظار الانتقال من مرحلة الوصاية وإعادة التأهيل إلى المرحلة القانونية التي تسمح بتفعيل التعويض.

المعضلة الجوهرية: “متى نعوض؟” قبل “كم نعوض؟”

إن احتجاز الأموال لفترات ممتدة يولد أضراراً اقتصادية تتجاوز القيمة الاسمية للوديعة. فهناك أولاً القيمة الزمنية للنقود وتآكل القوة الشرائية، وهناك ثانياً تكلفة الفرصة البديلة؛ إذ يفقد المودع العائد الذي كان يمكن أن يولده رأس المال لو بقي متاحاً للاستثمار أو الاستهلاك.

وتصبح المسألة أكثر حساسية بالنسبة إلى التجار والشركات الصغيرة والمتوسطة، لأن الودائع قد تمثل رأس مال عامل يُستخدم في دفع الأجور وشراء المخزون وتسوية الالتزامات. ويكشف هيكل الودائع في العراق أهمية هذا الجانب؛ ففي الربع الأول من 2025 بلغت الودائع المصرفية نحو 115.5 تريليون دينار، وشكلت الودائع الجارية قرابة 79.5% منها، بما يعكس الوزن الكبير للأموال المخصصة بطبيعتها للاستخدام والسيولة الفورية.

وبذلك قد تتحول إجراءات «الحماية والوصاية» من أداة لإنقاذ المؤسسة إلى تكلفة يتحملها المستهلك المالي الذي لم يكن طرفاً في سوء الإدارة أو القرارات الائتمانية والاستثمارية التي قادت إلى التعثر.

المقترحات والرؤية الإصلاحية

ولمعالجة هذه الفجوة الهيكلية وإعادة بناء الثقة في النظام المصرفي العراقي، يتطلب الأمر أولاً إقرار سقف زمني أكثر صرامة للوصاية، بحيث لا تصبح المدة القصوى المسموح بها قانوناً مساراً اعتيادياً، مع إلزام الجهات المختصة ضمن آجال محددة بالبت في مصير المصرف: إما إعادة تشغيله بعد إعادة الهيكلة واستعادة الملاءة، أو الانتقال إلى التصفية وتفعيل آليات التعويض.

كما ينبغي استحداث نافذة سيولة طارئة للمودعين تسمح بالسحب الجزئي ضمن سقوف محددة أثناء فترة الوصاية، ولا سيما لصغار المودعين والحالات التي تتصل بالاحتياجات المعيشية أو استمرار النشاط التجاري. ويقدم قانون المصارف نفسه أساساً يمكن تطويره، إذ يسمح في حالات معينة أثناء الوقف بسحب بعض ودائع الأشخاص الطبيعيين ضمن حدود محددة.

أما المسار الثالث فهو التفعيل المبكر لشبكة الأمان المالي عبر تطوير تعليمات شركة ضمان الودائع بما يسمح، وفق ضوابط دقيقة، بدفع جزء من الحقوق المضمونة قبل انتهاء جميع إجراءات التصفية المعقدة، مع استرداد تلك المبالغ لاحقاً من موجودات المصرف.

إن حماية المستهلك المالي لا تتحقق بإصدار وثائق تثبت ملكية الحقوق فقط، بل بتمكين المواطن من الوصول الفعلي إلى أمواله عندما يحتاج إليها. فالمعيار الحقيقي لفاعلية نظام ضمان الودائع ليس فقط «كم نعوض؟»، وإنما أيضاً «متى نعوض؟»؛ لأن الضمان الذي يصل بعد سنوات قد يحفظ الحق القانوني، لكنه لا يمنع الخسارة الاقتصادية التي أحدثها الزمن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *