تشخيص النازلة المالية لعجز الموازنة العراقية وبيان حكم الترشيد والتقشف

تشخيص النازلة المالية لعجز الموازنة العراقية وبيان حكم الترشيد والتقشف
عجز الموازنة العراقية اختلالٌ هيكلي تكرّسه هيمنة الإيرادات النفطية وجمود النفقات الجارية؛ ومعالجته تستلزم ترشيد الإنفاق، وضبط التوظيف، وتنمية الإيرادات غير النفطية، وحماية الاستثمار المنتج، وتحويل الموازنة من أداة لتوزيع الريع إلى رافعة للاستدامة والتنمية...

الحمد لله الذي جعل المال قواماً للناس، والصلاة والسلام على من أرسى قواعد الميزان والعدل في إدارة شؤون الأمة. أما بعد؛ فإن المسألة المعروضة في شأن الموازنة العامة للعراق قد أضحت من النوازل المالية التي اشتد عسرها، وتكرر فيها الخلل حتى غدا العجز يطل بوجهه مع كل تراجع في أسعار النفط العالمية، بل إن مظاهره لا تغيب تماماً حتى في سنوات ارتفاع الإيرادات. وهذا وحده كافٍ للدلالة على أن أصل الداء أعمق من تقلبات السوق، وأن الخلل قد استقر في بنية المالية العامة نفسها.

مسألة في التكييف والتشخيص

يجب على أولي الأمر والقائمين على رسم السياسة المالية أن يشخصوا طبيعة العجز قبل الشروع في وصف الدواء؛ فإن الحكم على الشيء فرع عن تصوره. والعراق، في حقيقة الأمر، لا يواجه عجزاً طارئاً فحسب، وإنما يرزح تحت وطأة اختلال هيكلي مزمن، تتفاوت حدته بحسب أسعار النفط وحجم الإنفاق العام.

فالعجز الطارئ هو ما ينشأ عن صدمة مؤقتة، كهـبوط عابر في عوائد الصادرات النفطية، ويمكن في مثل هذه الحال اللجوء إلى أدوات تمويل مرحلية، من الاقتراض الداخلي أو الاحتياطيات والهوامش المالية المتاحة، شريطة ألا يتحول الاستثناء إلى قاعدة، وألا يتجاوز التمويل قدرة الدولة على خدمة التزاماتها مستقبلاً.

أما العجز الهيكلي، فهو عجز بنية وتركيب؛ إذ تقوم المالية العامة على إيرادات نفطية شديدة الحساسية للسعر والإنتاج، في مقابل نفقات جارية تتسم بقدر كبير من الجمود، وفي مقدمتها الأجور والتقاعد والتحويلات. وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن الإيرادات النفطية ستظل تشكل أكثر من 90 في المئة من إيرادات الحكومة حتى نهاية العقد في ظل السياسات القائمة، فيما يُتوقع أن ترتفع حصة الرواتب والتقاعد إلى نحو 54 في المئة من إجمالي الإنفاق بحلول عام 2030. وهذه ليست مشكلة سيولة عابرة، بل فجوة بين موارد متقلبة والتزامات يصعب خفضها سريعاً.

وقد ظهرت آثار هذا الاختلال بصورة أوضح خلال السنوات الأخيرة؛ فالسعر النفطي اللازم لمعادلة الموازنة ارتفع، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي، من نحو 54 دولاراً للبرميل في عام 2020 إلى قرابة 84 دولاراً في عام 2024. وكلما ارتفع هذا السعر ازدادت حساسية المالية العامة لأي هبوط في سوق النفط، حتى وإن ظل الإنتاج والتصدير عند مستويات مرتفعة.

مسألة في حظر الحلول القاصرة

ولا يستقيم شرعاً ولا اقتصاداً أن يُعالج العجز الهيكلي بالاستدانة المستمرة؛ لأن الدين قد يصلح جسراً لعبور أزمة مؤقتة، لكنه لا يصلح مورداً دائماً لتمويل نفقات متكررة. فإذا أصبحت الدولة تقترض لتغطية التزامات جارية لا يقابلها نمو مستدام في الإيرادات، انتقل العبء من موازنة الحاضر إلى موازنات المستقبل، وارتفعت كلفة خدمة الدين وضاقت المساحة المتاحة للاستثمار والخدمات العامة.

وهذا الخطر ليس افتراضياً؛ إذ تقدر سيناريوهات صندوق النقد، في حال استمرار السياسات القائمة، بقاء العجز المالي مرتفعاً على المدى المتوسط، مع تصاعد أعباء الدين واحتياجات التمويل. كما يحذر الصندوق من أن جمود الإنفاق الجاري قد يجعل الإنفاق الاستثماري أول ما يقع عليه الخفض عند اشتداد الضائقة المالية، فتُعالج مشكلة آنية على حساب القدرة الإنتاجية والنمو في المستقبل.

وفي المقابل، لا ينبغي أن يكون الطريق الأسهل هو نقل كلفة الاختلال بأكملها إلى المواطن والقطاع الخاص من خلال ضرائب ورسوم تُفرض بلا إصلاح حقيقي للإنفاق والإدارة. فالجباية غير المدروسة، ولا سيما حين تقع على نشاط خاص محدود القدرة أصلاً، قد تضعف الاستثمار والتشغيل وتزيد كلفة ممارسة الأعمال. غير أن هذا لا يعني إسقاط إصلاح الإيرادات غير النفطية من الحساب؛ فالمطلوب هو بناء قاعدة إيرادات أكثر عدلاً وكفاءة، بالتوازي مع إصلاح الإنفاق، لا استعمال الضرائب ستاراً لإبقاء مواطن الهدر على حالها.

مسألة في التفريق بين الترشيد والتقشف

واعلموا أن التقشف القسري (Austerity)، إذا فُهم على أنه خفض أعمى للإنفاق من غير تمييز بين الضروري والهامشي، ليس علاجاً سليماً لعجز الموازنة الهيكلي، ولا سيما حين يقع الخفض على الاستثمار والخدمات الأساسية في أوقات ضعف النشاط الاقتصادي. فالاقتصاد لا ينتفع بخفض النفقات إذا كان ثمن ذلك تعطيل مشروع منتج أو تراجع البنية التحتية أو إضعاف قدرة الدولة على توفير الخدمات التي يحتاج إليها النشاط الخاص.

وإنما المطلوب هو ترشيد الإنفاق والانضباط المالي (Fiscal Discipline). والفرق بين الأمرين جوهري؛ فالترشيد لا يعني الحرمان، وإنما يعني رفع كفاءة الدينار العام: ضبط التعيينات والملاكات الوظيفية، مراجعة النفقات غير الضرورية، إحكام حوكمة العقود والمشتريات، إغلاق منافذ الهدر، معالجة المشاريع المتعثرة والوهمية، ثم حماية الإنفاق الاستثماري الذي يوسع الطاقة الإنتاجية للاقتصاد.

وهنا تظهر أهمية ترتيب الأولويات. فليس من الحكمة أن تتساوى في الموازنة نفقة جارية متكررة لا تضيف طاقة إنتاجية مع مشروع في الكهرباء أو النقل أو الصناعة أو الزراعة قادر على خفض كلفة الإنتاج وتهيئة المجال لنمو القطاع الخاص. والانضباط المالي الصحيح لا يقاس بحجم ما تخفضه الدولة من الإنفاق، بل بنوعية ما تخفضه وما تحافظ عليه وما تعيد توجيهه.

القاعدة الأصولية

والقاعدة الاقتصادية التي ينبغي أن تحكم هذا الباب هي: لا يُعالج عجز هيكلي بإيراد مؤقت، ولا تُواجه أزمة عابرة بإجراءات تقشفية دائمة.

فإذا كان أصل الاختلال هيكلياً، وجب أن يكون العلاج هيكلياً أيضاً. أما استعمال الاقتراض أو ارتفاع أسعار النفط أو السحب من الاحتياطيات لتأجيل الإصلاح، فلا يزيل الخلل وإنما يؤخر ظهوره حتى تأتي دورة نفطية أقل مواتاة فتتكشف المشكلة بصورة أشد.

الرأي المختار

وعليه، فإن الخروج من هذه النازلة المالية يقتضي إعادة النظر في بنية الجهاز الإداري للدولة، وضبط الملاكات والتوسع الوظيفي، ورفع كفاءة الإنفاق، وتنمية الإيرادات غير النفطية بصورة عادلة ومدروسة، مع حماية الاستثمار المنتج من أن يكون الضحية الأولى لكل ضائقة مالية. ويقتضي قبل ذلك كله تحويل الموازنة تدريجياً من وثيقة لتوزيع الريع النفطي إلى أداة لإدارة الموارد وبناء الأصول وتحفيز القيمة المضافة.

ولا تتحقق الاستدامة بمجرد موازنة الحسابات في سنة واحدة؛ وإنما تتحقق حين تصبح الدولة أقدر على الوفاء بالتزاماتها في سنوات ارتفاع النفط وانخفاضه معاً، من غير أن تضطر في كل دورة إلى الاستدانة أو تعطيل الاستثمار أو تحميل المجتمع كلفة اختلال لم يكن سبباً فيه.

هذا ما ظهر لنا في حكم هذه الأزمة، وعلى الأحوط وجوباً واقتصاداً لزوم الترشيد العاجل، وإصلاح بنية الإنفاق، وترك التسويف؛ لأن تأخير الإصلاح في المالية العامة لا يلغي كلفته، بل ينقلها إلى زمن تكون فيه المعالجة أشد وأثقل.

والله أعلم وأحكم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *