الهيكلية الريعية وصدمة المفاضلة المالية
يمتلك الاقتصاد العراقي هيكلية مالية شديدة الحساسية للمتغيرات الجيوستراتيجية، إذ ما زالت الدولة تعتمد بصورة شبه مطلقة على العوائد النفطية لتمويل الموازنة العامة. ووفق بيانات البنك الدولي، شكّل النفط في عام 2025 نحو 88% من إيرادات الحكومة و91% من صادرات السلع، فيما قدّر صندوق النقد الدولي أن الإيرادات النفطية ستظل تمثل أكثر من 90% من إيرادات الدولة على المدى المتوسط إذا لم تتغير بنية المالية العامة. هذه الأرقام تجعل أي اضطراب في تصدير النفط أقرب إلى صدمة مالية مباشرة منه إلى مجرد أزمة تجارية عابرة.
وتزداد درجة الانكشاف لأن الجزء الأكبر من النفط العراقي يخرج من الموانئ الجنوبية في البصرة إلى الخليج ثم يعبر مضيق هرمز. وتفيد إدارة معلومات الطاقة الأمريكية بأن جميع الصادرات البحرية العراقية خلال 2024 خرجت من الموانئ الجنوبية، بمتوسط تجاوز 3.2 ملايين برميل يومياً. وقد كشف الصراع الإقليمي في 2026 حجم هذه الهشاشة عملياً؛ فالعراق كان يصدر قبل الحرب نحو 93 مليون برميل شهرياً عبر هرمز، بينما لم يتمكن في أبريل/نيسان من تمرير سوى نحو 10 ملايين برميل. وفي مارس/آذار هبط إجمالي الصادرات إلى 18.6 مليون برميل مقارنة بنحو 99.9 مليون برميل في فبراير/شباط، أي بانخفاض يقارب 81%، وتراجعت الإيرادات الشهرية من أكثر من 6.8 مليارات دولار إلى نحو 1.95 مليار دولار.
أمام هذا الانكماش الحاد في تدفقات العملات الأجنبية، تجد الإدارة المالية الحكومية نفسها أمام مفاضلة غير مرنة بين النفقات الحاكمة والأولويات الاستثمارية. والمشكلة أن بنية الإنفاق العراقي شديدة الصلابة؛ فقد قدّر صندوق النقد الدولي في توقعاته لعام 2025 النفقات الجارية بنحو 38.6% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 5.8% فقط للنفقات الرأسمالية، فيما بلغت الرواتب والتقاعد وحدهما نحو 24% من الناتج. لذلك، عندما تنخفض الإيرادات بصورة مفاجئة، يصعب سياسياً واجتماعياً خفض الرواتب والتقاعد والتحويلات بالسرعة نفسها، فيصبح الاستثمار العام الحلقة الأكثر قابلية للتأجيل أو التقليص.
وهنا ينتقل أثر هرمز سريعاً من قطاع النفط إلى قطاعات لا تبدو للوهلة الأولى مرتبطة بالمضيق، وفي مقدمتها المياه:
صدمة الملاحة في هرمز ← تراجع الصادرات والإيرادات النفطية ← انكماش تدفقات النقد الأجنبي ← ضغط على الإنفاق الاستثماري.
والنتيجة المحتملة هي تجميد مشاريع المياه والبنية التحتية، وارتفاع أسعار المعدات والمواد المستوردة، وتأجيل الصيانة والتحديث التكنولوجي، وزيادة كلفة الشحن والتأمين البحري، ثم تراكم ما يمكن تسميته «التكاليف المؤجلة» التي لا تظهر بالكامل في سنة الأزمة لكنها تنتقل إلى السنوات اللاحقة.
قنوات انتقال الصدمة إلى القطاع المائي والتكاليف المؤجلة
لا ينحصر تأثير تراجع الإيرادات النفطية في الجانب المالي المجرد، بل يمتد عبر قنوات متعددة إلى أصل البنية التحتية للمياه. أول هذه القنوات هي النقد الأجنبي، لأن جزءاً مهماً من معدات الضخ والتصفية والتحلية وأجهزة القياس والسيطرة والمكونات الكهربائية يعتمد على الاستيراد. وكلما ضعفت موارد الدولة الدولارية، ازدادت صعوبة تمويل العقود الخارجية وقطع الغيار والمشاريع الجديدة.
القناة الثانية هي كلفة النقل والتأمين. ومع تصاعد المخاطر العسكرية في الخليج خلال 2026، ارتفعت أقساط التأمين الإضافية ضد مخاطر الحرب على السفن العابرة لهرمز بصورة استثنائية؛ ففي مارس/آذار ارتفعت في بعض الحالات من نحو 0.25% من قيمة السفينة إلى قرابة 3%، ثم وصلت تقديرات في يوليو/تموز إلى نطاق بين 7.5% و10% من قيمة الهيكل لبعض الرحلات. وهذه الزيادة لا تبقى في دفاتر شركات التأمين، بل تنتقل تدريجياً إلى كلفة السلع والمعدات والمواد المستوردة التي تحتاج إليها مشاريع البنية التحتية العراقية.
أما القناة الثالثة فهي تأجيل الصيانة الدورية. وهنا تكمن الخطورة الأكبر، لأن عدم صيانة شبكة أو محطة ضخ اليوم قد يبدو وفراً مالياً، لكنه يتحول بعد سنوات إلى كلفة رأسمالية أعلى. ويشير البنك الدولي في وثائق مشروع «التكيف مع دجلة والنهر الصحي» لعام 2026 إلى أن المياه غير المدرة للإيراد، أي الفاقد المادي والتجاري في شبكات المياه العراقية، تتجاوز 60% بسبب تقادم البنية التحتية وضعف الصيانة والقياس والتجاوزات. كما أن تغطية الصرف الصحي تقل عن 30%، ويُصرف أكثر من 70% من مياه الصرف في المناطق الحضرية من دون معالجة إلى الأنهار والمجاري المائية.
هذه المؤشرات تعني أن تقليص الإنفاق الاستثماري في قطاع يعاني أصلاً فجوة صيانة كبيرة لا يؤجل المشكلة فقط، بل يضاعفها. فالفاقد المائي يتزايد، ونوعية المياه تتراجع، وتزداد احتمالات التملح وتدهور الأراضي الزراعية. وقد قدّر البنك الدولي أن انخفاض إمدادات المياه في العراق بنسبة 20%، إذا ترافق مع تراجع غلة المحاصيل، يمكن أن يخفض الناتج المحلي الحقيقي بما يصل إلى 4%، أو ما يعادل نحو 6.6 مليارات دولار وفق تقديرات الدراسة الأصلية. كما تشير تقديرات البنك إلى أن فجوة العرض والطلب المائي قد تقترب من 10.9 مليارات متر مكعب بحلول 2035.
الكفاءة المؤسسية وتحويل الموارد عن التنمية
من منظور اقتصاديات الموارد والتطوير المؤسسي، تتضاعف الضغوط عندما تجتمع صدمتان في وقت واحد: تراجع الإيرادات وارتفاع أسعار المدخلات. فعندما ترتفع كلفة الطاقة والنقل والحديد والإسمنت والمعدات المستوردة، تصبح الاعتمادات المرصودة سابقاً للمشروع غير كافية، ويضطر الجهاز الحكومي إما إلى زيادة التمويل أو تقليص نطاق المشروع أو تأجيله.
وفي قطاع المياه تحديداً، لا توجد مساحة واسعة لهذا التأجيل. فالبنك الدولي يقدّر أن العراق يحتاج إلى أكثر من 20 مليار دولار من الاستثمارات حتى 2030 لتحقيق أهدافه الوطنية في المياه والصرف الصحي، بينما تضع تقديرات أوسع للاستثمارات المرتبطة بالأمن المائي والقدرة على الصمود الرقم عند نحو 48 مليار دولار. وبالتالي فإن كل سنة تُستنزف فيها الموارد العامة في معالجة آثار أزمة خارجية هي سنة تتسع فيها فجوة التمويل الداخلي.
تتجه المؤسسات في مثل هذا الوضع من «التنمية المستدامة» إلى «إدارة الأزمة»: صيانة إسعافية بدلاً من إعادة التأهيل الشامل، وتشغيل مؤقت بدلاً من تحديث الأنظمة، ومعالجة الاختناقات بدلاً من الاستثمار في حصاد المياه والري الحديث وخفض الفاقد. وهذه ليست مجرد مشكلة إدارية؛ إنها إعادة تخصيص قسرية لرأس المال الوطني من الاستثمار المنتج طويل الأجل إلى تغطية صدمة خارجية قصيرة الأجل.
التأثيرات الخارجية السلبية والمسؤولية الاقتصادية
في أدبيات الاقتصاد المالي واقتصاد الموارد، يمكن قراءة جانب مهم من هذه الحالة بوصفه «آثاراً خارجية سلبية» (Negative Externalities) عابرة للحدود. فالقرارات العسكرية التي وسعت نطاق الصراع في الخليج، بما فيها الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، ثم تعطيل الملاحة والتهديدات والعمليات المرتبطة بالمضيق، لم تبق تكلفتها محصورة بالأطراف المباشرة، بل انتقلت إلى اقتصادات دول أخرى. وكان العراق من أشد دول الخليج تعرضاً للصدمة بسبب افتقاره إلى مسار تصدير بديل قادر على تعويض الموانئ الجنوبية؛ وهو ما انعكس في هبوط إنتاجه وصادراته النفطية بصورة حادة بعد تعطيل الملاحة في هرمز.
ومن منظور اقتصادي بحت، لا يوجد مبرر لأن يتحمل المواطن العراقي انخفاض الإنفاق على الماء والصرف الصحي والزراعة وإعادة الإعمار نتيجة صراع لم يكن العراق طرفاً مباشراً في قرار إشعاله. وما يحدث عملياً هو أن جزءاً من الموارد التي كان يفترض أن تمول تحسين الخدمات أو خفض فاقد المياه أو تحديث شبكات الري يُعاد توجيهه لتغطية نقص الإيرادات وفروق الأسعار وكلفة النقل والتأمين وإدارة الطوارئ.
لذلك يصبح السؤال عن المسؤولية الاقتصادية والتعويضات سؤالاً مشروعاً في التحليل الاقتصادي، بصرف النظر عن التعقيدات القانونية والسياسية التي تحكم تطبيقه. فحين تنتقل كلفة قرار عسكري من الدولة التي اتخذته إلى دولة ثالثة عبر تراجع صادراتها، وارتفاع كلفة تجارتها، وتعطيل استثماراتها الحيوية، فإننا نكون أمام خلل واضح في توزيع المخاطر والتكاليف الدولية.
والدرس الأهم للعراق لا يقتصر على تحديد من تسبب بالصدمة، بل يمتد إلى ضرورة تقليل قابلية الاقتصاد لامتصاصها بهذه القوة. فالاعتماد على النفط من جهة، وعلى ممر بحري واحد من جهة ثانية، وعلى موازنة تهيمن عليها النفقات الجارية من جهة ثالثة، يجعل المياه والزراعة والبنية التحتية تدفع ثمن أزمة لم تبدأ فيها. وهنا تتحول قضية تنويع الاقتصاد، وتنويع مسارات تصدير النفط، وحماية الإنفاق الاستثماري على الموارد الحيوية من شعارات تنموية إلى متطلبات مباشرة للأمن الاقتصادي والسيادة الوطنية.


