حين يقول رئيس مجلس القضاء الأعلى الدكتور فائق زيدان إنّ ( القضاء سيبقى ضمانة للحقوق وحصناً للعدالة ، وأنّ العراق ومصلحة شعبه فوق كل اعتبار ) فهو لا يتحدث عن القضاء بوصفه مؤسسة تؤدي وظيفة قانونية فحسب ، بل يضع أمام الجميع قاعدة ينبغي أن تحكم عمل مؤسسات الدولة كلها .. العراق أولاً ، ومصلحة شعبه فوق كل اعتبار ..
القضاء المستقل هو أحد أهم أعمدة الدولة ، لأنه الجهة التي يلجأ إليها المواطن حين يشعر أنّ حقه قد انتُهك ، والدولة حين تحتاج إلى حماية القانون ، والمجتمع حين تتعرض العدالة لمحاولة الإخضاع أو التأثير .. ولهذا فإنّ تأكيد بقاء القضاء ضمانة للحقوق وحصناً للعدالة ليس عبارة بروتوكولية ، بل مسؤولية كبيرة تزداد أهميتها كلما ازدادت التحديات التي تواجه الدولة العراقية ..
وللقضاء العراقي دور مهم في مواجهة الفساد ، وقد شهدت الفترة الماضية إجراءات قضائية وملفات تحقيق وملاحقات تتصل بالفساد الإداري والمالي ، فضلاً عن التعاون القائم بين مجلس القضاء الأعلى وهيئة النزاهة في هذا المجال .. لكن معركتنا مع الفساد لا ينبغي أن تتوقف عند ملاحقة الفاسد بعد وقوع الجريمة ، مهما كانت أهمية ذلك .. المطلوب أن نذهب إلى المنظومة التي أنتجت الفساد ووفرت له بيئته وحصانته .. فالفساد لا يعيش منفرداً ، ولا ينمو في الفراغ ، إنه يحتاج إلى شبكة من المصالح والنفوذ ، وإلى مواقع إدارية وسياسية يمكن من خلالها حماية المصالح وتعطيل القانون وإعادة إنتاج النفوذ .. وهنا تصبح مواجهة الفساد أكثر صعوبة من مجرد فتح الملفات وإحالة المتهمين إلى القضاء ..
فإذا كانت المناصب الحكومية المهمة لا تزال تُوزع على أساس المحاصصة السياسية ، وإذا بقيت بعض مفاصل الدولة خاضعة لمنطق الحصص والنفوذ ، فإننا نكون قد عالجنا نتائج المشكلة وتركنا أسبابها قائمة .. لا يكفي أن نحارب الفساد داخل الدولة ، بل ينبغي أن نحارب البيئة التي تنتج الفساد داخل الدولة ..
وهذا لا يعني أن يتحول القضاء إلى طرف في الصراع السياسي ، بل على العكس تماماً ، المطلوب أن يبقى القضاء بعيداً عن السياسة ، قريباً من الدستور والقانون ، وأن تكون مهمته تطبيق القانون على الجميع دون استثناء .. أما مسؤولية إصلاح منظومة الحكم والإدارة ، وإنهاء المحاصصة في توزيع المناصب ، ووضع معيار الكفاءة والنزاهة والمهنية فوق معيار الانتماء السياسي ، فهي مسؤولية سياسية ودستورية تقع على عاتق مؤسسات الدولة والقوى السياسية التي تتحمل مسؤولية إدارة البلاد .. العراق لا يحتاج فقط إلى محاكمات للفاسدين ، بل يحتاج إلى دولة تمنع إعادة إنتاج الفساد ..
وهنا تلتقي رسالة القضاء مع مشروع دولة القانون والسيادة ، دولة يكون فيها القانون فوق النفوذ ، والمؤسسة فوق الشخص ، والكفاءة فوق الحصة ، والمصلحة الوطنية فوق المصالح الحزبية والفئوية ..
إنّ عبارة القاضي فائق زيدان ( العراق ومصلحة شعبه فوق كل اعتبار ) ينبغي ألا تبقى مجرد عبارة جميلة في مناسبة وطنية .. إنها قاعدة تصلح لأن تكون معياراً لعمل كل مسؤول وكل مؤسسة وكل قرار .. فحين يكون العراق فوق كل اعتبار ، لا تكون الوظيفة العامة غنيمة ، ولا المنصب حصة ، ولا الدولة ساحة لتقاسم النفوذ .. وحين يكون العراق فوق كل اعتبار ، يصبح القضاء حصناً للعدالة ، وتصبح مكافحة الفساد معركة ضد الفاسد وضد البيئة التي تنتجه ، وتصبح سيادة القانون واقعاً يعيشه العراقيون لا شعاراً يسمعونه ..
ختاماً تحية من القلب لحامي حصن القضاء العراقي الدكتور فائق زيدان ..


