يمكن تناول يوم السيادة العراقي بوصفه مساحة فاصلة بين الحدث التاريخي كما وقع، وبين الصورة التي أعادت الخطابات الإعلامية والسياسية إنتاجها.
بين الحقيقة والتوجيه الإعلامي
يوم السيادة لا يُقاس بما قيل على المنابر، بل بما تغير على الأرض. فالتاريخ يوثق خروج القوات الأجنبية، لكن السيادة بمعناها الأعمق لا تختزل في مغادرة الجندي؛ إذ تبدأ حين يمتلك العراق قراره، وأمنه، وحدوده، واقتصاده، وقدرته على تحديد مصالحه بعيدً عن الإملاءات.
وهنا يظهر دور الإعلام؛ إذ قد يحوّل المناسبة من سؤال عن اكتمال السيادة إلى احتفال رمزي بانتهاء الاحتلال، أو على العكس، يجعلها مناسبة لتكريس سردية سياسية محددة. وبين الروايتين تبقى الحقيقة بحاجة إلى قراءة هادئة: هل كانت السيادة حدثاً اكتمل بخروج القوات الاجنبية من على الارض، أم مساراً لا يزال العراق يخوضه؟
فالسيادة ليست صورة تُلتقط عند الحدود، ولا خطاباً يُلقى في مناسبة وطنية؛ إنها قدرة دولة على أن تقول كلمتها، ثم تمتلك أدوات تنفيذها.
ولعل الإشكالية الأهم تكمن في الفصل بين السيادة بوصفها واقعة قانونية، والسيادة بوصفها ممارسة سياسية يومية. فقد تنسحب القوات الأجنبية من أرض الدولة، بينما تبقى آثار النفوذ حاضرة في القرار السياسي أو الأمني أو الاقتصادي. كما أن الإعلام، بما يمتلكه من قدرة على صناعة الوعي، لا يكتفي أحياناً بنقل الحدث، بل يمنحه تفسيراً واتجاهاً ودلالة. لذلك فإن التعامل مع يوم السيادة ينبغي ألا يكون أسيراً للخطاب الاحتفالي، ولا رهينة للتشكيك المطلق، بل قراءة متوازنة تضع الحدث في سياقه التاريخي، وتقيس نتائجه بواقع الدولة وقدرتها على حماية استقلال قرارها، بعيداً عن المبالغة في الإنجاز أو اختزال السيادة في مشهد واحد.
ومن زاوية أخرى، فإن استعادة معنى السيادة تقتضي التمييز بين استقلال الدولة عن الوجود العسكري الأجنبي، وبين استقلالها في بناء مؤسساتها وصياغة خياراتها. فالدولة قد تمتلك كامل أدواتها الدستورية، لكنها تظل معرضة لتأثيرات متعددة تجعل القرار الوطني محكوماً بتوازنات خارجية أو داخلية تتجاوز أحياناً مؤسسات الدولة نفسها. ومن هنا يصبح يوم السيادة مناسبة لإعادة طرح السؤال لا للاكتفاء بالإجابة الجاهزة: ماذا فعل العراق بعد استعادة قراره الرسمي؟ وهل استطاع أن يحول ذلك التحول إلى مؤسسات أكثر قوة، واقتصاد أكثر استقلالاً، وسياسة خارجية أكثر توازناً؟
كما أن الذاكرة الوطنية لا ينبغي أن تُبنى على انتقاء ما يخدم اللحظة السياسية، لأن التاريخ حين يتحول إلى أداة للدعاية يفقد قدرته على تعليم الأجيال. فالمطلوب ليس إنكار ما تحقق، ولا التقليل من قيمة خروج القوات الأجنبية، بل وضعه ضمن مسار أشمل يقرأ ما سبقه وما تلاه، ويفصل بين الوقائع والتفسيرات التي أُحيطت بها. إن السيادة الحقيقية لا تحتاج إلى تضخيم إعلامي كي تثبت وجودها، كما أن النقص فيها لا تعالجه الخطب والشعارات. إنها تُقاس بمدى قدرة المؤسسات على فرض القانون، وحماية المصالح الوطنية، وإدارة العلاقات الدولية من موقع الندية، وتحويل الإرادة الشعبية إلى قرار سياسي قابل للتنفيذ.


