سلسلة الأسوار التي سقطت من الداخل الجيش القوي والدولة الضعيفة الحلقة (19)

سلسلة الأسوار التي سقطت من الداخل الجيش القوي والدولة الضعيفة الحلقة (19)
تبحث الحلقة العلاقة بين القوة العسكرية وقدرة الدولة على إدارتها، مؤكدةً أن حجم الجيش والتسليح لا يضمنان الفاعلية وحدهما. وتتناول تناسب المهمة مع الإمكانات، والاستعداد اللوجستي، والاستنزاف، وتركيز القوات، وأهمية المراجعة المستمرة وتكامل القرار السياسي مع التقدير العسكري....

المقدمة:

قد تمتلك الدولة جيشًا كبيرًا، وتسليحًا متطورًا، وخبرة قتالية واسعة، ومع ذلك تعجز عن تحويل هذه القوة إلى حماية حقيقية لمصالحها. فالجيش لا يعمل منفصلًا عن الدولة، وإنما يتحرك ضمن قرار سياسي، وموارد اقتصادية، وخطط عسكرية، ومؤسسات قادرة على توفير احتياجاته ومتابعة نتائجه.

وتظهر المشكلة عندما تكون القوة العسكرية أكبر من قدرة الدولة على إدارتها، أو عندما تُستخدم في مهام لا تتناسب مع أهداف الدولة وإمكاناتها. عندها لا تعود كثرة السلاح ضمانًا للقوة، بل قد تتحول إلى عبء يستنزف الاقتصاد والمؤسسات والقدرة على اتخاذ القرار.

العرض:

أولًا: السياسة تحدد الغاية والعسكر يحدد الوسيلة

المسؤولية الأولى في استخدام القوة العسكرية تبدأ من القيادة السياسية، لأنها تحدد المصلحة التي تريد الدولة حمايتها، والهدف الذي تسعى إلى تحقيقه، وحدود التصعيد، والنتيجة التي يمكن قبولها.

أما القيادة العسكرية فمهمتها تحويل ذلك الهدف إلى مهمة عسكرية قابلة للتنفيذ، فتحدد الخطط، وتوزيع القوات، وأساليب العمليات، واحتياجاتها من السلاح والذخيرة والإمداد.

والخلل يظهر عندما تختلط الوظيفتان؛ فحين تتدخل السياسة في التفاصيل العسكرية من دون معرفة ميدانية، أو تتجاوز القيادة العسكرية حدود مهمتها فتتصرف باعتبارها صاحبة القرار السياسي، تصبح القوة عرضة لسوء الاستخدام.

ثانيًا: قوة الجيش تُقاس بقدرته على تنفيذ المهمة

قد يكون الجيش كبيرًا، لكن السؤال الأهم ليس كم عدد جنوده أو قطعه العسكرية، بل هل تتناسب قدراته مع المهمة المطلوبة منه؟

فالمهمة العسكرية تحتاج إلى قوات مناسبة، ومعلومات عن الخصم، وقدرة على الحركة، ودعم جوي وبري وبحري بحسب طبيعة المعركة، فضلًا عن الاحتياط القادر على تعويض النقص. وإذا تجاوزت المهمة الإمكانات المتاحة، فإن ضخامة الجيش تصبح أقل أهمية من دقة التقدير.

ثالثًا: الاستعداد الحقيقي يظهر عند استمرار القتال

القوة العسكرية لا تُختبر في لحظة البداية فقط. فمع استمرار العمليات تتعرض المعدات للاستهلاك، وتحتاج الأسلحة إلى صيانة، وتنخفض المخزونات، وتظهر الحاجة إلى تعويض الأفراد وتدريب البدلاء.

ولهذا فإن الدولة التي تريد الاحتفاظ بجيش فعال يجب أن تمتلك منظومة مستمرة للتصنيع والصيانة والنقل والتخزين والتدريب، لا أن تعتمد على ما هو موجود في المخازن عند بداية الحرب.

رابعًا: الزمن قد يحول التفوق إلى استنزاف

قد تحقق الدولة تفوقًا عسكريًا في بداية الصراع، لكن إطالة الحرب تغير الحسابات. فكل شهر إضافي يعني نفقات جديدة، واستهلاكًا للمعدات، وضغطًا على الاقتصاد، وربما انتقال الموارد من القطاعات المدنية إلى المجهود العسكري.

لذلك ينبغي أن تعرف القيادة السياسية حدود قدرتها على تحمل الحرب، وأن تعرف القيادة العسكرية ما إذا كانت الخطط الموضوعة قادرة على تحقيق نتائجها ضمن الزمن المتاح

خامسًا: تشتيت القوة يضعف أثرها

لا تستطيع أقوى الجيوش أن تكون في كل مكان بالدرجة نفسها من الكفاءة. وعندما تتوزع القوات على جبهات ومهام متعددة، تتوزع معها الذخائر والإمدادات والاحتياط والقيادات.

ومن هنا تصبح الأولوية العسكرية مسألة حاسمة: أين تتركز القوة؟ وما المهمة التي تستحق الجزء الأكبر منها؟ فالجيش الذي يوزع قدراته بلا ترتيب قد يفقد ميزة التفوق التي يمتلكها.

سادسًا: المراجعة تمنع استمرار الخطأ

إدارة القوة لا تنتهي عند إصدار قرار الحرب، بل تستمر من خلال تقييم النتائج. وعلى القيادة السياسية أن تعرف ما إذا كان الهدف الأصلي ما يزال قائمًا، وعلى القيادة العسكرية أن تقدم تقديرًا واقعيًا لما تحقق ميدانيًا وما تعذر تحقيقه.

وعندما تكشف المراجعة أن الوسيلة لم تعد تخدم الغاية، يصبح تعديل الخطة أو تغيير الأولويات أو إنهاء العملية قرارًا لحماية الدولة، وليس اعترافًا بالفشل.

الخاتمة:

القوة العسكرية لا تكتسب قيمتها من حجم الجيش وتسليحه فقط، وإنما من حسن إدارة العلاقة بين القيادة السياسية والقيادة العسكرية. فالقيادة السياسية تحدد الغاية التي تريد تحقيقها، والمصلحة التي تسعى إلى حمايتها، والحدود التي ينبغي أن تقف عندها العمليات. أما القيادة العسكرية فتتولى تقدير الإمكانات، ووضع الخطط، وإدارة العمليات، وتحديد ما يمكن تحقيقه ميدانيًا في ضوء الواقع.

ويظهر الخلل عندما تطلب القيادة السياسية أهدافًا تتجاوز الإمكانات العسكرية، أو عندما تبني القيادة العسكرية خططها على تقديرات غير واقعية، أو عندما تتداخل الصلاحيات بين الطرفين. وفي مثل هذه الحالات قد تتحول القوة الكبيرة من وسيلة لتحقيق الغاية إلى عامل استنزاف يطيل الصراع ويزيد الكلفة ويضعف القدرة على تحقيق الهدف.

لذلك فإن الجيش القوي يحتاج إلى قيادة سياسية تعرف متى تستخدم القوة ولماذا، وقيادة عسكرية تعرف كيف تستخدمها وبأي حدود. وحين يتكامل القرار السياسي مع التقدير العسكري، تصبح القوة العسكرية وسيلة محسوبة تخدم الغاية، أما حين ينفصل أحدهما عن الآخر، فقد يصبح امتلاك القوة نفسها مصدرًا للضعف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *