موقف الدكتور عراقجي في أمريكا: بين عزة المحفل الأممي وخشوع المزار في ميزان الإسلام

موقف الدكتور عراقجي في أمريكا بين عزة المحفل الأممي وخشوع المزار في ميزان الإسلام
يقدّم النص قراءة دينية لمفهومي العزة والتواضع، رابطاً بين الحضور السياسي لعباس عراقجي في المحافل الدولية وخشوعه في المزارات المقدسة، ويرى أن صلابة الموقف أمام القوة المادية والتواضع أمام الله يمثلان بُعدين متكاملين للوعي التوحيدي....

إن الشريعة الإسلامية العظيمة، ببعدها التوحيدي الشامل ورسالتها الإنسانية الخالدة، لم تأتِ لتصوغ إنساً مفرغاً من الإرادة والكرامة يطأطئ رأسَهُ أمام جدار العسف والطغيان، ولا لتخلق كائناً متجبراً يستعلي بثرائه أو سلطانه المادي على عباد الله. إن الغاية الكبرى للرسالة الإلهية تتمثل في بناء “النفس البصيرة” التي تعرف كيف تضع كل خُلق في نصابه الشرعي والأخلاقي الصحيح؛ فتستلهم من سر التوحيد روح الصمود والعزة حين تواجه قوى الاستكبار والعتوّ، وتستحضر حقيقة الفقر المطلق بين يدي الله جل وعلا فتذوب خشوعاً وتواضعاً واستكانة. إن هذه الثنائية ليست تناقضاً في السلوك، بل هي وحدة ممتدة في عمق الوعي الإيماني، حيث تتكامل صلابة الموقف أمام الجبابرة مع رقة القلب في محراب العبودية.

ويتبدى هذا الفهم العميق للكرامة الإسلامية جلياً في الموقف الرسالي الشامخ الذي جسده وزير الخارجية الإيراني الدكتور عباس عراقجي في قلب الولايات المتحدة الأمريكية، وأثناء مشاركته في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. إن وقوف رئيس الدبلوماسية الإيرانية في معقل القوى الاستكبارية، وهو يحمل هموم الأمة ويخاطب متجري العالم بلغة الثبات واليقين، لم يكن مجرد حضور دبلوماسي تقليدي أو ممارسة لبروتوكولات دولية مجردة، بل كان تجسيداً حياً وأميناً لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾.

لقد أطل الدكتور عراقجي من على منبر الأمم المتحدة في أمريكا بمظهر المؤمن المعتز بعقيدته، الممتلئ بالكبرياء الإيماني والصلابة المبدئية في وجه طغاة العالم، ليرسل رسالة صريحة إلى الإدارة الأمريكية وقوى الهيمنة الدولية مفادها أن الكرامة الإيمانية لا تخضع للمساومات، وأن الشموخ أمام قوى البطش المادي ليس ادعاءً فارغاً، بل هو قبس من نور جبار السماوات والأرض يفيض على قلوب الواثقين بربهم ثباتاً لا يلين، وبصيرة نافذة لا تخدعها بهارج القوة الزائفة ولا إملاءات الهيمنة الدولية.

وفضلاً عن هذا الشموخ والصلابة في محافل أمريكا الدولية، فإن المشهد لا يكتمل إلا برؤية البعد الآخر لهذه الشخصية الإيمانية؛ إذ نجد هذا الوزير الشامخ في نيويورك يذوب خشوعاً وتواضعاً حين يطأ أرض العراق ليقف عند مراقد آل البيت الأطهار عليهم السلام. هناك، عند عتبات الأئمة ومواطن نزول الرحمات، يتجرد الدكتور عراقجي تماماً من كل ألقاب السلطة ومظاهر الدبلوماسية، ليعود إلى أصله الأصيل: عبداً فقيراً بين يدي ربه، وأخاً وتلميذاً خاضعاً في مدرسة النبوة والولاية الخالدة. إن الوقوف في هذه المشاهد المقدسة بقلب خاشع ودمع هتان ليس ضعفاً، بل هو منتهى العقل والوعي؛ إذ كيف لا يخشع من يدرك أنه يقف في أروقة عبادٍ أخلصوا لله العبودية، فجعلهم الله أعلاماً للهداية ومنائر للحق والعدل؟

إن الفقه الإسلامي الأصيل، برؤيته التوحيدية الشاملة، يعلمنا منطقاً إيمانياً عميقاً مفاده أن “التكبر على المتكبر هو عين التواضع لله”. فالاستكبار المادي الذي يمارسه طغاة العالم في المحافل الدولية يحاول سلب الإنسان كرامته الإلهية، ورفض هذا الخنوع والاستعلاء عليه في عقر داره بأمريكا هو تجسيد مباشر لشهادة أن “لا إله إلا الله”. وفي المقابل، فإن الخضوع والتذلل لله ولأوليائه الصالحين في المزارات المقدسة هو إقرار بالفقر الذاتي للإنسان أمام الغني المطلق. ومن هنا تتضح المعادلة: إن الخشوع في محراب العبودية هو المصدر الحقيقي والينبوع الروحي الذي يمد المؤمن بالصلابة والعزة حين يواجه عتاة الأرض في أروقة نيويورك.

إن هذه الصورة المزدوجة التي تجسدت في أداء الدكتور عراقجي بين أمريكا والعراق تقدم رسالة مفتوحة وخالدة إلى الضمير العالمي أجمع؛ رسالة تفكك الفهم الخاطئ لمفاهيم القوة والتواضع في الفلسفات المعاصرة. إن العالم اليوم المحكوم بمعايير المادة بأشد الحاجة إلى أن يستوعب هذه المدرسة؛ مدرسة تخرج رجالاً يجمعون بين صلابة الفولاذ أمام الجبابرة والاستكبار الدولي، ورقة القلب والخشوع أمام الحق والمقدسات. وبذلك يعلم العالم أجمع أن استعلاء المؤمن على قوى الطغيان في الأمم المتحدة ليس غروراً، وخشوعه في مزارات أولياء الله ليس انكساراً، بل هما وجهان لعملة واحدة هي العبودية المخلصة لله وحده، والتي تحرر الإنسان من كل عبودية لسواه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *