العراق بين مطرقة الارتهان المالي وسندان التكالب الاستكباري: رؤية استراتيجية للسيادة والاستقلال الاقتصادي

العراق بين مطرقة الارتهان المالي وسندان التكالب الاستكباري رؤية استراتيجية للسيادة والاستقلال الاقتصادي
تواجه السيادة الاقتصادية العراقية تحديات ناتجة عن الاعتماد النفطي والارتباط بالمنظومة المالية الدولارية وضعف الإنتاج المحلي، ما يستدعي تنويع آليات التسوية التجارية، وبناء احتياطيات استثمارية، وتعزيز الصناعة والزراعة، وتوسيع الشراكات الدولية لترسيخ الاستقلال الاقتصادي والاستقرار المالي...

إنّ المتأمل الفاحص في مسار الدولة العراقية المعاصرة، وفي خبايا الأزمة الممتدة التي تعصف بكيانها السياسي والاقتصادي، يدرك بيقينٍ لا يخالطه شك أنّ المشهد العراقي ليس معزولاً بحال من الأحوال عن الصراع الحضاري والجيوسياسي الكوني الذي تخوضه قوى الاستكبار العالمي بقيادة الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني. إنّ المدعى المركزي الذي نضعه بين يدي الأمة والنخب الفكرية والسياسية يتلخص في أنّ الأزمة الاقتصادية والسياسية الخانقة التي يعيشها العراق اليوم ليست مجرد عَرَضٍ عابر لخلل إداري داخلي أو سوء تخطيط تنفيذي فحسب، بل هي ثمرة هندسة استراتيجية مقصودة وممنهجة تهدف إلى إبقاء العراق في حالة ارتهان بنيوي دائم، وحرمانه المباشر من امتلاك قرار سيادي مستقل، عبر أدوات التحكم المالي المتمثلة في قبضة البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي على عائدات النفط والتحكم الصارم بدورة تدفق الدولار. وإنّ تفكيك هذه المعادلة الخاطئة يقتضي منا الانتقال من مستوى التوصيف العاطفي والانفعالي إلى التحليل العلمي الرصين، وإرساء قواعد متينة لاستقلال استراتيجي شامل ينهض بأبناء الأمة ويحمي مقدراتهم وثرواتهم الوطنية.
ولكي نستوعب أبعاد هذه المواجهة الجيواقتصادية، يتوجب علينا ابتداءً التمييز الدقيق بين الوقائع الميدانية الصلبة والتأويلات السياسية والانطباعات العامة. فالواقع الرقمي والمستندي القائم يؤكد أنّ جميع عائدات العراق من مبيعات النفط الخام تُحوّل حتconfi إلى حساب “البنك المركزي العراقي” المفتوح لدى البنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك (Federal Reserve Bank of New York)، بناءً على ترتيبات مالية فرضتها القرارات الدولية ونهج التواجد الأمريكي منذ عام 2003. بناءً على هذا الواقع، يخضع كل طلب يستهدفه العراق لتغذية شحنات الدولار الورقي أو إجراء التحويلات المالية الخارجية لآليات منصة التدقيق الرقمي وشروط الامتثال الأمريكية. وتفيد البيانات الرسمية الصادرة عن البنك المركزي العراقي ووزارة المالية العراقية لعامي 2024 و2025 بوضوح أن الموازنة العامة للدولة تعتمد بنسبة تزيد على 90% على الإيرادات النفطية الحصرية. إن هذه الحقيقة الرقمية تعني أن أي تقييد أو تأخير أو استخدام لحق الفيتو المالي في واشنطن ينعكس في ساعات معدودة على قدرة الدولة العراقية في تسديد رواتب موظفيها وتلبية الالتزامات الخدمية الأساسية. إن هذا الترتيب يمنح الولايات المتحدة مكسباً جيوسياسياً هائلاً يجعل من العملة الأمريكية سلاحاً حاسماً لإملاء الإرادات السياسية، ومحاصرة القوى الوطنية الناهضة، وضمان عدم اتخاذ العراق أي موقف سيادي يعيق المخططات الاستكبارية أو يهدد الأمن الاستراتيجي للكيان الصهيوني في المنطقة.
وحين ننتقل من خانة الوقائع إلى مساحة التحليل العميق، نجد أنّ الخلل لا يكمن فقط في الإرادة الخارجية الرامية للهيمنة، بل يكمن أيضاً في الهيكلية الاقتصادية المحلية التي استسلمت للريعية المطلقة وعطلت أدوات الإنتاج الذاتي. وتبيّن التقارير التوثيقية والتحليلية الصادرة عن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي أن القطاعات الإنتاجية غير النفطية في العراق -وفي مقدمتها القطاع الزراعي والقطاع الصناعي التحويلية- لا تساهم بأكثر من 7% إلى 10% من إجمالي الناتج المحلي. هذا العجز البنيوي الخطير يتكامل تحليلياً مع المعطيات المسحية الصادرة عن وزارة التخطيط العراقية وبالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، والتي تشير إلى أن نسبة الفقر الواقعي في البلاد تتراوح بين 22% و25%، في حين تتجاوز نسبة البطالة بين صفوف الشباب الناشط اقتصادياً عتبة 30%. إن التفسير التحليلي لهذا الواقع يؤكد أن هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات جافة، بل هي مكامن خطر مجتمعي هائل تُستغل بسهولة لإحداث القلاقل الداخلية وتوهين الجبهة الوطنية، وجعل القرار السياسي العراقي رهينة لهواجس الانفجار الاجتماعي المتوقع في حال استخدام ورقة خنق السيولة المالية ضد الحكومة العراقية.
أما على صعيد الرأي الشخصي والرؤية الفكرية التي نؤمن بها وننادي بضرورة بلورتها، فإننا نرى أن الاستعمار الحديث لم يعد بحاجة إلى إنزال الجيوش والعربات العسكرية في شوارع المدن ليفرض سيطرته على الشعوب ومقدراتها، بل يستعيض عن ذلك بالاستعمار المالي والمصرفي والتكنولوجي الذي يحوّل الدولة الشاخصة إلى كيان تابع يدور في أفل المنظومات الغربية. إن الكيان الصهيوني، بالتنسيق والخدمة المتبادلة مع مراكز القرار الأمريكي، يدرك تماماً أن العراق المقتدر اقتصادياً والسيادي سياسياً يشكل خطراً وجودياً على مشاريعه التوسعية في المنطقة.

ومن هنا، فإن التحكم الحازم بدورة الدولار ليس مجرد إجراء تنظيمي لمكافحة غسيل الأموال كما يُروج له في الخطاب الإعلامي الغربي ووسائل دعايته، بل هو مقصلة سياسية واقتصادية الهدف منها منع العراق من التحول إلى مركز تجاري مستقل يربط الشرق بالغرب خارج الهيمنة الغربية، ومنعه كذلك من بناء قوة اقتصادية تدعم قضايا الأمة المصيرية وعلى رأسها القضية الفلسطينية ودعم خيارات المقاومة المناهضة للهيمنة.
وحين نقطع الشوط نحو استشراف الآثار والتداعيات المحتملة لهذا المشهد خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة (ما بين عامي 2026 و2030)، فإن القراءة الاستراتيجية تؤكد أن الاستمرار في النهج القائم دون معالجات جذرية سينتج ثلاث أزمات كبرى. أول هذه التداعيات هو وقوع هزات مالية ونقدية متكررة ناتجة عن الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازي، مما سيؤدي إلى انخفاض القدرة الشرائية للمواطنين وارتفاع التضخم المستورد، ووضع السياسة النقدية العراقية تحت ابتزاز دائم. ثاني التداعيات يكمن في تفاقم الخلل الاجتماعي الناتج عن عدم قدرة السوق الريعي على استيعاب مئات الآلاف من الخريجين والشباب الداخليين إلى سوق العمل سنوياً، مما يرفع معدلات البطالة ويخلق بيئة هشّة قابلة للاشتعال بوقود الاحتجاجات الفئوية والاضطرابات الأمنية. أما التداعي الثالث والأشد خطورة على مستقبل الوطن، فهو تآكل السيادة الوطنية في أبعادها الأمنية والسياسية، حيث ستُجبر بغداد على تقديم تنازلات استراتيجية خطيرة في ملفات الطاقة والتوازنات الإقليمية لصالح المحور الأمريكي-الصهيوني لقاء الحصول على الإفراج المالي عن أموالها النفطية المحتجزة.
ولمواجهة هذه التحديات الجسيمة، وانطلاقاً من المسؤولية الشرعية والوطنية التي تقتضي ألا نكتفي بالتأخيص والتحذير بل نضع الحلول الناجعة، أقدّم للحكومة العراقية والنخب السياسية والمجتمعية ثلاثة مقترحات عملية ومحددة تتسم بالواقعية والقابلية للتطبيق:
المقترح الأول: بناء نظام تسوية تجارية متعدد العملات وتأسيس صندوق استثماري سيادي مستقل. يجب على الحكومة العراقية، والبنك المركزي العراقي، البدء الفوري بعقد اتفاقيات ثنائية مع الشركاء التجاريين الأساسيين للعراق -مثل الصين، والهند، والدول الإقليمية المجاورة- لتبادل البضائع والسلع غير النفطية باستخدام العملات المحلية أو عبر آليات المقاصة التجارية المباشرة، مما يقلل الطلب على الدولار بنسبة لا تقل عن 40% ويخفف الضغط على نظام “سويفت”. بالتوازي مع ذلك، يتوجب استقطاع نسبة محددة من العائدات النفطية لبناء صندوق سيادي تُستثمر أصوله في الذهب والسندات الدولية غير الدولارية وفي أسواق متعددة الأقطاب لتشكيل غطاء حماية أمني للعملة الوطنية.
المقترح الثاني: إطلاق برنامج استراتيجي للنهضة الإنتاجية وتوطين الصناعة والزراعة الوطنية. يتطلب هذا المقترح سنّ سياسات حماية جمركية وصارمة للبضائع والمنتجات الاستهلاكية التي يمكن إنتاجها محلياً، مع تخصيص نافذة تمويل ميسرة عبر البنوك الحكومية لدعم المزارعين والصناعيين العراقيين في مجالات إنتاج الغذاء والأدوية ومواد البناء. إن تحقيق الأكتفاء الذاتي الاستراتيجي في الغذاء والدواء خلال الأعوام الأربعة القادمة يعد ركناً أساسياً لحماية القرار السيادي ومنع استخدام سلاح التجويع والحصار المالي ضد الشعب العراقي.
المقترح الثالث: تنويع الشراكات الاستراتيجية الدولية في مجالات الطاقة والبنية التحتية. ينبغي للعراق الخروج من القوقعة الأحاديّة عبر الانفتاح الناجع على التكتلات الاقتصادية الصاعدة مثل مجموعة “بريكس” ومبادرة “الحزام والطريق”، وتوقيع عقود استثمارية بأسلوب البناء والتشغيل والتحويل (BOT) مع شركات عالمية كبرى لتطوير الموانئ، والسكك الحديدية، وتوليد الطاقة الشمسية والغازية. إن ربط المصالح الاقتصادية لدول كبرى متعددة بالداخل العراقي سيخلق شبكة أمان جيوسياسية تمنع الاستفراد الأمريكي والصهيوني بالقرار العراقي.
إن المعركة التي يخوضها العراق اليوم هي معركة إرادة ووجود وبناء حضاري قبل أن تكون مجرد أزمة أرقام وموازنات مالية. إن السيادة الحقيقية لا تُوهب على موائد التفاوض الدبلوماسي ولا تُستجدى من القوى الاستكبارية، بل تُبنى بالإرادة الصلبة والتخطيط العلمي الواعي والاستثمار الشجاع في طاقات الأمة المادية والمعنوية. إن التحرر من ربقة التحكم المالي الاستكباري أصلٌ متاح ومتيسر متى ما توفرت الإرادة الصادقة والقيادة المخلصة التي تضع مصالح العراق والأمة الإسلامية فوق كل الرهانات والضغوط. وإن الأمل يظل معقوداً على سواعد نخب هذا البلد وشبابه الأباة في تحويل هذه التحديات الخانقة إلى نقطة انطلاق تاريخية لبناء عراق قوي، مستقل، وعزيز.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *