طـبقتنا الـسياسية: أرادوا كـسر بـعضهم الـبعض فـكسروا الـعراق

طـبقتنا الـسياسية أرادوا كـسر بـعضهم الـبعض فـكسروا الـعراق
يحذر النص من انتقال التنافس السياسي العراقي إلى منطق الإقصاء والثأر، حيث يصبح إضعاف الخصم أهم من حماية المؤسسات والمصلحة العامة. ويرى أن إدارة الاختلاف، لا كسر المنافسين، هي الاختبار الحقيقي لنضج السياسة وقدرتها على خدمة المواطنين...

لديَّ مشروعٌ لمقالين لكنني أجلتهما لأن بعض القضايا يمكن أن تنتظر أما القضايا التي تمسُّ وجع الناس فلا تحتمل التأجيل، هناك موضوعٌ أشدُّ حرارةً وإلحاحاً أريد أن أضعه أمام القارئ الكريم وللتاريخ أيضاً لا بوصفه خصومةً مع أحد وإنما بوصفه سؤالاً عن بلدٍ أخذ يدفع ثمن خصومات سياسييه “رخيصة” ..

كنتُ أسمع من جدتي المرحومة (جـواهـر) “طيَّب الله ثراها” وهي سيدةٌ فاضلةٌ حكيمة -أكثر حكمةً من كل أدعياء الحكمة في العراق وإن لم تكن تقرأ أو تكتب– قولاً شعبياً بليغاً كانت تختصر به كثيراً من تجارب الحياة:

*«الـشَّفَة غِـيضَه هَـجَم داره»*

أي إنَّ مَـن يخرج إلى خصومته مدفوعاً بالرغبة في التشفي وإشفاء الغليل قد ينتهي به الأمر إلى إيذاء نفسه وهدم بيته بيده.

كـلما تأملتُ المشهد السياسي العراقي تذكرتُ هذه الحكمة البسيطة التي قالتها امرأةٌ أمية لكنها كانت تعرف من الحياة ما لا يعرفه كثيرٌ ممَـن يحملون أعلى الشهادات ويتصدرون أخطر المواقع في هذا البلد المثقل بأحزانه!

الـمشكلة أن هذه الحقيقة تبدو غائبة عن جزءٍ كبير من طبقتنا السياسية سواء حين تتصارع القوى التي تمثل مكونات مختلفة أو حين يتحول الصراع إلى اقتتالٍ سياسي داخل المكوّن الواحد، ولستُ معنياً هنا بتعداد أخطاء بقية المكونات بقدر عنايتي بـ “ربعنا” وبما يجري داخل بيئتنا السياسية الخاصة لأنني أرى أنَّ بعض أبناء البيت الواحد قد انشغلوا بمحاولة كسر بعضهم بعضاً حتى أصبح البيت نفسه هو الذي يتصدع!

هـنا تكمن الكارثة ..

حـين يصبح إسقاط الخصم أهم من إنقاذ البلد لا يعود أحدٌ منتصراً.

إنَّ بعض شيوخ السياسة وصبيتها في مكوننا يتصرفون -مع الأرسف– بالمستوى الهابط نفسه من التفكير وبالطريقة البذيئة نفسها التي تُـدار بها خصومةٌ في زقاق شعبي بين “شقاواته” الأشقياء:

مَـن الأقوى؟

مَـن يفرض كلمته؟

مَـن يستطيع إقصاء الآخر؟

مَـن يستطيع أن يحرمه من موقعه أو نفوذه أو جمهوره؟

كـأننا لسنا أمام دولةٍ ومؤسساتٍ ودستورٍ وملايين المواطنين، وإنما أمام حارةٍ يتنافس فيها بعض “الشقاوات” على فرض الهيبة!

أيُّ طبقةٍ سياسيةٍ هذه؟

أيُّ عقليةٍ تلك التي أصبحت مصائر الناس تحت رحمتها؟

السياسة “يا طبقتنا السياسية”:

لـيست مباراةً لإشباع الغرائز الشخصية ..

لـيست ميداناً لتصفية الحسابات ..

لـيست فناً في الانتقام من الخصوم ..

السياسة حين تكون مسؤولة هي:

 “القدرة على إدارة الاختلاف من دون تحويله إلى خراب”

أمـا أن يتحول السياسي إلى شخصٍ لا يرى في نجاح بلده إلا خسارةً لخصمه، ولا يرى في قوة خصمه إلا تهديداً لوجوده، فهذه ليست سياسةً ناضجة، إنها خصومةٌ شخصية جرى تحميلها على ظهر الدولة والأخطر من ذلك أن يدفع المواطن الثمن. الـناس تغلي ..الـناس متعبة ..

الـناس تريد دولةً تحترمها، وخدماتٍ تليق بها، وفرصاً للعمل، وأمناً واستقراراً، ومستقبلاً لأبنائها ..

الـناس تريد كرامة ..

وفي المقابل يرى الناس سياسيين يوزعون الابتسامات، ويتحدثون عن الإنجازات، وكأن شيئاً لا يحدث.

“عود صايرين سياسيين”!

لكن: الناس ليست غبية وهي ترى، ترى مَـن كان خصماً بالأمس ثم أصبح حليفاً اليوم، ومَـن كان حليفاً ثم صار خصماً، ومَـن يرفع شعار المبدأ حين يخدمه المبدأ، ويتخلى عنه حين يصبح المبدأ عبئاً على مصالحه الشخصية!

تـرى أيضاً أن بعض الصراعات التي تُـقدَّم للناس بوصفها صراعاتٍ على المبادئ، تنتهي في كثيرٍ من الأحيان إلى صراعٍ على المواقع والنفوذ والحضور.

وهنا أعود إلى حكمة جدتي: مَـن أراد أن يشفي غليله من خصمه بأي ثمن، قد لا ينتبه إلى أنه يحرق البيت الذي يسكنه الاثنان!

الـعراق ليس ملكاً لسياسي، ولا لحزب، ولا لتحالف، ولا لجماعة ..

والذين يريدون كسر بعضهم بعضاً عليهم أن يتذكروا أنَّ الوطن هو الجدار الذي يستندون إليه جميعاً فإذا هدموه -وقد هدموه فعلاً- فلن يبقى لأحدٍ منهم جدارٌ يستند إليه ..

لـقد فات الأوان لأن يفهم السياسي العراقي أنَّ الخصومة السياسية يمكن أن تكون مشروعة، وإنما ضرورية، لكن تحويلها إلى ثأرٍ دائم هو انتحارٌ سياسي ووطني ..

نختلف، نعم ..

نتنافس، نعم ..

نحاسب بعضنا بعضاً، نعم ..

لـكن لا يجوز أن يصبح الوطن هو ساحة العقوبة، فالخصم السياسي ليس عدواً للوطن بالضرورة، والانتصار عليه لا يعني بالضرورة انتصار العراق ..

ربـما كان أكبر درس ينبغي على الطبقة السياسية العراقية أن تتعلمه منذُ مدة ولم تتعلمه هو: أنَّ مَـن يكسر خصمه داخل البيت قد يكتشف بعد فوات الأوان أنه كسر البيت معه، وهذا بالضبط ما حدث فعلاً في بلد كان أسمه العراق وقد تحول إلى أثر بعد عين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *