في المنطقة التي اعتادت واشنطن أن ترسم خرائطها من خلف المكاتب، تبدو الصورة اليوم مختلفة تماماً. التصريحات الأمريكية تتحدث عن التفاوض والتفاهمات والتهدئة، بينما تتحرك الأطراف على الأرض كما لو أن الحرب لم تغادر المشهد، وإنما غيّرت أدواتها.
وهنا تحديداً تكمن خطورة المرحلة.
فالمشكلة ليست في وجود مفاوضات أمريكية–إيرانية، ولا في إمكانية التوصل إلى تفاهمات جديدة، وإنما في محاولة تقديم المفاوضات باعتبارها بديلاً عن الصراع، فيما تقول الوقائع إن المعادلات التي أنتجت الصراع لم تُحسم بعد.
ترامب يستطيع أن يرفع سقف مطالبه، وأن يلوّح بالعقوبات والحرب، وأن يتحدث بلغة المنتصر. لكنه يواجه حقيقة أكثر صعوبة: امتلاك القوة لا يعني امتلاك القدرة على استخدام هذه القوة من دون دفع ثمن باهظ.
وهذه هي المعضلة التي تبدو حاضرة في الحسابات الأمريكية.
فأي مواجهة جديدة مع إيران لن تكون بالضرورة نسخة عن الجولات السابقة. المنطقة بأكملها أصبحت مترابطة، وأي ضربة على جبهة يمكن أن تستدعي رداً على جبهة أخرى. الخليج، والممرات البحرية، ولبنان، واليمن، والعراق، وسورية، كلها تقع ضمن بيئة استراتيجية واحدة، حتى لو حاولت واشنطن التعامل معها باعتبارها ملفات منفصلة.
وهذا يعني أن السؤال الأصعب هو: هل تستطيع الولايات المتحدة التحكم بما سيأتي بعد الضربة؟
هنا يبدأ القلق الحقيقي.
فالولايات المتحدة تستطيع اختيار ساعة البداية، لكنها لا تستطيع بالضرورة اختيار ساعة النهاية. تستطيع أن تفتح مواجهة، لكنها لا تستطيع أن تضمن أن تبقى في الساحة التي اختارتها. تستطيع أن تضرب هدفاً، لكنها لا تستطيع أن تضمن أن الرد سيأتي بالطريقة والمكان والزمان الذي يناسبها.
ولهذا فإن المفاوضات ليست دليلاً على أن واشنطن انتصرت، كما أن التهديد بالحرب ليس دليلاً على أن إيران تراجعت.
المفاوضات نفسها أصبحت جزءاً من الصراع. فكل طرف يحاول استخدامها لكسب الوقت، واختبار الخصم، وتحسين شروطه، ومنع الطرف الآخر من تحقيق مكاسب مجانية. ولذلك فإن أي اتفاق لا يأخذ موازين القوة الجديدة في الاعتبار سيكون هشاً، مهما كانت العبارات التي تُكتب في نصه.
أما سورية، فلا يمكن النظر إليها باعتبارها تفصيلاً ثانوياً. فهي اليوم واحدة من أكثر الساحات حساسية في المنطقة، لأن مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا والقوى العربية تتقاطع فيها بصورة مباشرة. وأي تغيير في قواعدها الأمنية والعسكرية يمكن أن يمتد تأثيره إلى لبنان والعراق وإيران، وربما إلى بنية الصراع الإقليمي برمتها.
وفي لبنان، لا تبدو المعادلة أكثر بساطة. فالحديث عن الاتفاقات السياسية لا يستطيع وحده إلغاء حقيقة أن هناك قوة ومقاومة واحتلالاً وميداناً. وكذلك في اليمن، حيث أثبتت التجربة أن سنوات الحرب والحصار والضغط لم تكن كافية لانتزاع أوراق القوة من صنعاء.
وهنا ينبغي أن تفهم واشنطن الدرس الذي تحاول تجاهله: الميدان لا يوقّع على الاتفاقات نيابة عن نفسه.
يمكن للعواصم أن تتفاوض، ويمكن للوسطاء أن يكتبوا مسودات، ويمكن للسياسيين أن يعلنوا التفاهمات، لكن بقاء الاتفاقات واستمرارها يتوقفان في النهاية على قدرتها على الصمود أمام موازين القوة الحقيقية.
لقد انتهى زمن كانت فيه الولايات المتحدة تستطيع أن تقول للمنطقة: هذه هي الشروط، وعليكم أن تقبلوا بها.
اليوم أصبحت المعادلة أكثر تعقيداً. هناك خصوم يستطيعون الصمود، وحلفاء أمريكيون لا يريدون أن يكونوا ساحات حرب، وشعوب وقوى في المنطقة راكمت خبرة طويلة في مواجهة الضغوط، فضلاً عن تشابك الملفات إلى درجة تجعل أي محاولة للفصل بينها أقرب إلى الوهم.
لذلك فإن الهدوء الراهن لا يعني نهاية الصراع. قد يكون مجرد هدنة طويلة، أو إعادة تموضع، أو حرباً بأدوات سياسية واقتصادية وأمنية بدلاً من الصواريخ والطائرات.
والأخطر على واشنطن أن استمرار هذه الحالة قد يؤدي إلى نتيجة لا تريدها: تآكل قدرتها على فرض قواعدها، مقابل صعود قدرة خصومها على تعطيل تلك القواعد.


