السكن في العراق: أزمة وحلول

أزمة السكن في العراق بين العجز والحلول العاجلة
قراءة في أزمة السكن في العراق، بين العجز السكني، والعشوائيات، وتجريف البساتين، وضرورة الحلول السريعة والرقابة العادلة...

المقدمة: أزمة السكن في العراق

أصبحت أزمة السكن في العراق من أكثر الأزمات إلحاحاً، بعدما ارتفعت أسعار العقارات والإيجارات وكلفة البناء. كما أصبح السكن يستنزف جزءاً كبيراً من دخل الأسرة. ولم تعد المشكلة تقتصر على عدم امتلاك منزل، بل امتدت إلى العشوائيات، وتحويل الأراضي الزراعية إلى سكن، وتجريف البساتين المثمرة. وهذه ظواهر تحتاج إلى معالجة متوازنة تحفظ حق المواطن، وتطبق القانون، وتحمي الثروة الزراعية.

وتؤكد الأرقام أن المشكلة تتجاوز الحالات الفردية إلى أزمة وطنية واسعة. فقد أظهرت النتائج النهائية للتعداد العام للسكان أن عدد سكان العراق بلغ 46.1 مليون نسمة، موزعين على أكثر من 8 ملايين أسرة، بمتوسط 5.7 أفراد للأسرة الواحدة.

كما أن نحو 35.9% من السكان هم دون سن الخامسة عشرة، ما يعني أن الطلب المستقبلي على الزواج وتكوين الأسر والمساكن سيواصل الارتفاع خلال السنوات المقبلة. وفي الوقت نفسه، تشير بيانات البنك الدولي إلى أن نحو 70% من العراقيين يعيشون في المناطق الحضرية، الأمر الذي يضاعف الضغط على المدن والأراضي والخدمات والبنى التحتية.

وتؤكد تقديرات العجز السكني ضخامة الفجوة. فقد قدرت وزارة التخطيط العجز بنحو 3,165,313 وحدة سكنية عام 2021، فيما يشير برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية إلى عجز لا يقل عن 2.5 مليون منزل، وحاجة قد تصل إلى 3.5 ملايين وحدة إضافية لمواكبة النمو السكاني.

الأراضي الزراعية ضحية لأزمة السكن

لجأ بعض مالكي الأراضي الزراعية إلى تجزئتها وبيعها للمواطنين كقطع سكنية، رغم أن صفة الأرض أو طبيعة العقد قد لا تسمح بالبناء عليها. ويقع المواطن أحياناً ضحية لهذا الواقع، فيدفع مدخراته ويبني منزله، ثم يواجه خطر الإزالة بسبب مخالفة استعمال الأرض، بينما يكون البائع قد حصل على أمواله.

وتزداد المشكلة بسبب عدم معرفة بعض المشترين بالقيود القانونية، أو اعتمادهم على مستندات وإقرارات لا تمنح بالضرورة حق البناء. لذلك يجب تمكين المواطن من الاستعلام رسمياً، وبسهولة، عن صفة الأرض وإمكانية البناء عليها قبل إتمام عملية الشراء.

ويكون ذلك من خلال نافذة إلكترونية موحدة تربط دوائر التسجيل العقاري والبلديات والزراعة والتخطيط، وتوضح للمشتري بصورة قاطعة نوع الأرض وقيود التصرف والبناء عليها.

وتظهر خطورة الوضع في بيانات السكن العشوائي. فقد سجل مسح وزارة التخطيط 4,679 تجمعاً عشوائياً تضم نحو 3.725 ملايين نسمة، أي ما يقارب 8-10% من سكان العراق وفق تقديرات المسح.

وكانت بغداد وحدها تضم أكثر من ألف تجمع، أي نحو 23% من الإجمالي، تليها البصرة بـ715 تجمعاً. كما أن 87% من الأراضي التي قامت عليها هذه التجمعات تعود ملكيتها إلى الدولة. وهذا يكشف أن غياب التخطيط والرقابة المبكرة سمح بتراكم المشكلة، حتى أصبحت ذات أبعاد اجتماعية وقانونية وخدمية معقدة.

تجريف البساتين خسارة وطنية

الأخطر من تقطيع الأراضي الزراعية هو تجريف البساتين المثمرة واقتلاع النخيل والأشجار المنتجة لتحويلها إلى قطع سكنية. فالبستان ليس أرضاً خالية، وإنما ثروة قائمة تمتلك مقومات الإنتاج، وتوفر الغذاء والعمل، وتحافظ على البيئة.

وتدمير بستان مثمر يعني فقدان إنتاج زراعي قائم، وقد يستغرق تعويضه سنوات. كما يعني تقليص الرقعة الزراعية وزيادة الحاجة إلى استيراد المنتجات الغذائية.

وقد أشارت منظمة الأغذية والزراعة إلى أن بساتين النخيل في العراق تواجه أصلاً تحديات تشمل الجفاف والآفات وارتفاع تكاليف الإنتاج وانخفاض الأسعار والتوسع الحضري. ومن ثم، فإن تحويل المزيد من البساتين إلى سكن يضيف ضغطاً جديداً على قطاع يعاني أصلاً من صعوبات متعددة.

والعراق لا يملك ترف خسارة أراضيه المنتجة، خصوصاً مع شح المياه والتصحر وتدهور الأراضي. لذلك يجب حماية البساتين، وتشديد الرقابة على التجريف والتغيير غير القانوني لاستعمالاتها. كما يجب إيجاد بدائل سكنية حقيقية تمنع تحول الحاجة إلى السكن إلى مبرر لإزالة الثروة الزراعية.

حماية المواطن ومحاسبة المتسبب

لا يجوز أن يتحمل المواطن وحده نتائج مخالفة ارتكبها البائع أو الوسيط. ولهذا ينبغي محاسبة كل من يثبت تضليله للمشترين أو مخالفته للقوانين، وإلزامه بالتعويض وفق ما تقرره الجهات المختصة.

وفي المقابل، عند إزالة مساكن مخالفة، يجب دراسة أوضاع الأسر المتضررة، وتوفير بديل مناسب للحالات المستحقة قبل الإخلاء، حتى لا تتحول حماية القانون إلى تشريد. فالمعالجة القانونية ينبغي أن تميز بين من استغل الأراضي وباعها لتحقيق الأرباح، وبين أسرة محدودة الدخل اشترت قطعة وهي تعتقد أنها تؤمن مسكناً لأولادها.

وتظهر البيانات الرسمية أن نحو 19.4% من الأسر تسكن في إيجار خاص، فيما تبلغ نسبة السكن الملك أو المجاني مع الوالدين نحو 72.1%. كما قدرت دراسة لوزارة التخطيط نسبة الأسر المحرومة من السكن اللائق بـ28.7%. لذلك يجب أن تكون معالجة المخالفات جزءاً من سياسة إسكانية واجتماعية، لا إجراءً بلدياً منفرداً.

حلول سريعة لأزمة السكن

لا يمكن معالجة أزمة السكن بمشاريع بطيئة التنفيذ، فيما تواصل الإيجارات استنزاف دخول الأسر. المطلوب برنامج عاجل لبناء مجمعات سكنية واسعة على أراضٍ مخصصة للسكن ومخدومة بالبنى التحتية، وبأسعار تتناسب مع قدرة المواطنين.

والحاجة لا تقتصر على بناء عشرات الآلاف من الوحدات، لأن حجم العجز بالملايين. لذلك ينبغي اعتماد برنامج وطني متعدد السنوات يحدد رقماً سنوياً واضحاً للوحدات المطلوب إنجازها، مع توزيعها على المحافظات وفق عدد السكان وحجم الأسرة والعجز المسجل وأسعار السوق ونسب السكن العشوائي.

وينبغي أن يشمل البرنامج وحدات للبيع الميسر، وأخرى للإيجار المنتهي بالتملك، ومساكن اجتماعية للفئات الأشد حاجة.

كما ينبغي التوسع في البناء الجاهز والتقنيات الحديثة التي تختصر زمن التنفيذ، وتتيح إنتاج أعداد كبيرة من الوحدات بسرعة، مع الالتزام بالمواصفات الهندسية والجودة والسلامة. ولا يجب أن ينحصر مفهوم المشروع السكني في بناء الشقق فقط.

بل يجب أن يتزامن البناء مع إنشاء المدارس والمراكز الصحية والطرق وشبكات المياه والمجاري والكهرباء والمساحات الخضراء والنقل العام. فنقل الأسرة إلى مجمع بعيد من دون خدمات لا يحل المشكلة، وإنما يخلق مشكلة جديدة.

كما ينبغي الاستعانة بشركات عالمية رصينة ومعروفة، خصوصاً الشركات الصينية والكورية ذات الخبرة في مشاريع الإسكان والمدن واسعة النطاق. ويجب اختيار هذه الشركات بمنافسة شفافة وفق الكفاءة والكلفة والجودة وسرعة الإنجاز، مع نقل التكنولوجيا وتدريب الكوادر العراقية.

والأفضل أن تتضمن العقود نسباً واضحة لاستخدام العمالة والمواد المحلية متى ما كانت مطابقة للمواصفات، حتى يتحول برنامج الإسكان إلى محرك للصناعة والتشغيل، وليس إلى باب للاستيراد فقط.

تنظيم الإيجارات بسرعة وعدالة

لا ينبغي ترك المواطن أمام سوق يحدد فيه المالك الأجرة وفق تقديره وحده، كما لا يجوز إهدار حق المالك في الحصول على عائد عادل. لذلك ينبغي تشكيل لجان مختصة في كل محافظة لتقدير أجور العقارات، وفق الموقع والمساحة ونوع البناء وعمره والخدمات والأسعار المماثلة.

وتتولى لجان كشف ميدانية معاينة العقار وتحديد الأجرة ضمن ضوابط معلنة، مع تحديث التقديرات دورياً وإتاحة الاعتراض. ويجب أن تكون الإجراءات سريعة وإلكترونية قدر الإمكان، بحيث لا ينتظر المواطن مدة طويلة وهو يبحث عن مسكن.

ويُفضّل تسجيل عقود الإيجار إلكترونياً، وتوثيق قيمة الأجرة والزيادة السنوية ومدة العقد وحقوق الطرفين. فهذا يسمح ببناء مؤشر واقعي لأسعار الإيجارات من دون الإضرار بحقوق المالك.

عدالة التوزيع والرقابة

ينبغي إنشاء قاعدة بيانات وطنية تمنع ازدواجية الاستفادة من الأراضي والقروض والوحدات السكنية، وتحدد المستحقين وفق الدخل وعدد أفراد الأسرة وحالة السكن، مع إعطاء الأولوية للأشد حاجة.

وهنا يمتلك العراق فرصة أفضل من السابق بعد إنجاز التعداد العام للسكان والمساكن، الذي وفر قاعدة بيانات عن أكثر من 8 ملايين أسرة و8.34 ملايين مسكن.

ويمكن ربط هذه البيانات، ضمن الضوابط القانونية وحماية الخصوصية، بسجلات العقارات والقروض والرواتب والرعاية الاجتماعية. والغاية هي منع حصول الشخص نفسه على أكثر من امتياز، وتوجيه الدعم إلى الأسر التي لا تملك مسكناً بالفعل.

كما يجب إخضاع مشاريع الإسكان والعقود والتخصيصات للرقابة، ومنع المحسوبية والتلاعب، ومحاسبة كل من يستغل المال العام أو النفوذ لتحقيق منفعة غير مستحقة.

وينبغي نشر تفاصيل المشاريع: عدد الوحدات، والكلفة، وسعر المتر، ومدة الإنجاز، ونسب الإنجاز، وأسماء الشركات، ومعايير توزيع الوحدات. فالشفافية هي أفضل وسيلة لمنع تحول أزمة السكن إلى باب جديد للفساد والمضاربة.

الخاتمة: سياسة سكنية عاجلة ومتوازنة

أزمة السكن لا تُحل بهدم المساكن وحدها، ولا بالسماح بتدمير الأراضي والبساتين، ولا بإطلاق مشاريع لا يستطيع المواطن شراءها. فالأرقام الحالية تؤكد أن العراق أمام فجوة سكنية بملايين الوحدات، وملايين المواطنين يعيشون في تجمعات غير رسمية أو مساكن غير لائقة. وفي الوقت نفسه، يستمر النمو السكاني والتوسع الحضري بزيادة الطلب عاماً بعد عام.

الحل هو منع المخالفة قبل وقوعها، وحماية المتضرر، وحماية الأراضي المنتجة، وبناء مساكن سريعة وميسرة، وتنظيم سوق الإيجار بعدالة وسرعة. ويجب أن تتحول سياسة السكن من رد فعل على التجاوزات إلى برنامج وطني استباقي، يحدد أين ستتوسع المدن، وكم وحدة يحتاج العراق سنوياً، ومن هم المستحقون، وكيف ستوفر البنى التحتية والتمويل.

فالمطلوب سياسة سكنية عاجلة توفر للمواطن بيتاً قانونياً يستطيع تحمل كلفته، وتحافظ في الوقت نفسه على الأراضي الزراعية والبساتين التي تمثل جزءاً من ثروة العراق وأمنه الغذائي.

هكذا يمكن حماية المواطن والقانون والاقتصاد الوطني في آن واحد. كما يمكن تحويل ملف السكن من أزمة تتفاقم عاماً بعد عام إلى مشروع تنموي يوفر الاستقرار وفرص العمل، ويحسن شكل المدن ومستقبل الأجيال القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *