أعادت زيارة وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إلى المملكة العربية السعودية، وما رافقها من لقاءات رسمية، طرح سؤال جوهري يتعلق بطبيعة إدارة الدول لصراعاتها الإقليمية. فعلى الرغم من سنوات التنافس الحاد بين الرياض وطهران، وما شهدته المنطقة من مواجهات مباشرة وغير مباشرة، إلا أن لغة المصالح عادت لتفرض نفسها، وأثبتت أن الدول، مهما بلغت خلافاتها، تظل قادرة على الانتقال من ساحات الصراع إلى طاولات الحوار عندما تقتضي مصالحها العليا ذلك.
إن التجربة الإيرانية، بصرف النظر عن الموقف السياسي منها، تقدم نموذجًا في كيفية إدارة القرار داخل إطار الدولة. فالعقيدة العسكرية، والتحرك الدبلوماسي، والمواقف السياسية، تصدر جميعها ضمن منظومة مؤسسات تعمل لتحقيق هدف استراتيجي واحد. وعندما تقرر إيران المواجهة أو التهدئة، فإنها تتحرك بوصفها دولة تمتلك مؤسسات تتقاسم الأدوار، لا جماعات متفرقة تتخذ قراراتها بصورة منفصلة.
في المقابل، لا يزال العراق يعاني من إشكالية ازدواجية القرار الأمني والسياسي، وهي إحدى أبرز العقبات التي تحد من قدرته على استعادة دوره الإقليمي. فوجود قوى مسلحة خارج منظومة القرار الحكومي يجعل الدولة تتحمل تبعات أفعال قد لا تكون جزءًا من سياستها الرسمية، ويضعف قدرتها على بناء علاقات مستقرة ومتوازنة مع محيطها الإقليمي والدولي.
إن بناء الدولة لا يعني إلغاء التضحيات التي قدمتها التشكيلات الأمنية المختلفة في مواجهة الإرهاب، ولا سيما خلال معارك تنظيم داعش، وإنما يعني الانتقال من مرحلة الضرورة الاستثنائية إلى مرحلة الاحتكام الكامل للمؤسسات. فكل قوة تمتلك السلاح يجب أن تعمل ضمن القيادة العامة للدولة، وأن يكون قرار الحرب والسلم قرارًا وطنيًا خالصًا، يصدر عن المؤسسات الدستورية وحدها، لأن احتكار القوة هو أحد أهم مقومات الدولة الحديثة.
ولا تقتصر الحاجة إلى الإصلاح على الجانب الأمني، بل تمتد إلى الاقتصاد، الذي يمثل اليوم نقطة الضعف الأخطر. فالعراق يعتمد بصورة شبه كاملة على صادرات النفط، بينما تتركز أغلب هذه الصادرات في منفذ بحري واحد، الأمر الذي يجعل الاقتصاد الوطني عرضة لأي أزمة إقليمية أو اضطراب في خطوط الملاحة.
ومن هنا، فإن بناء منظومة بديلة لتصدير النفط عبر خطوط الأنابيب والموانئ المرتبطة بتركيا والأردن وسوريا والسعودية لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه مشروعًا اقتصاديًا فحسب، بل باعتباره مشروعًا للأمن القومي. فتنويع منافذ التصدير يقلل من المخاطر، ويحافظ على تدفق الإيرادات، ويمنح العراق هامشًا أوسع في إدارة الأزمات، بعيدًا عن الارتهان لأي ممر مائي أو تطور سياسي مفاجئ.
إن السياسة الخارجية الناجحة لا تُبنى على الخصومات الدائمة، وإنما على إدارة المصالح. فكما تتواصل إيران مع السعودية وسلطنة عُمان وغيرها من دول المنطقة رغم التباينات الكبيرة، فإن العراق أولى بانتهاج سياسة الانفتاح المتوازن مع جميع جيرانه، لأن استقراره الاقتصادي والأمني يرتبط بصورة مباشرة باستقرار محيطه الإقليمي.
العراق اليوم لا يحتاج إلى الانخراط في محاور متصارعة، بقدر حاجته إلى مشروع دولة يمتلك قرارًا سياديًا مستقلًا، ويحتكر استخدام القوة، ويبني شبكة علاقات دبلوماسية واقتصادية واسعة، ويؤسس لبدائل استراتيجية تحمي اقتصاده وأمنه الوطني.
فالدول لا تُقاس بحجم الشعارات التي ترفعها، بل بقدرتها على حماية مصالح مواطنيها. والسيادة ليست خطابًا سياسيًا، وإنما مؤسسات قوية، وقرار وطني مستقل، ودبلوماسية قادرة على تحويل الجغرافيا والتحديات إلى فرص، لا إلى أزمات متكررة.


