المدنيون الذين اخطأت السلطة في قراءتهم

المدنيون الذين اخطأت السلطة في قراءتهم
تتمحور الأزمة العراقية حول الصراع بين الدولة واللادولة أكثر من كونها مواجهة بين التدين والمدنية. ويواجه التيار المدني تحدي التحول من الاحتجاج إلى مشروع وطني واقعي قادر على مواجهة الفساد وبناء المؤسسات وكسب ثقة المجتمع...

لم تكن ازمة العراق بعد 2003 ازمة حكم فقط بل كانت ازمة وعي وادارة مجتمع واحتكار معنى الدولة فحين تمددت الاحزاب المسلحة داخل تفاصيل الحياة العامة لم تعد السياسة مجرد تنافس على السلطة بل تحولت الى صراع على شكل المجتمع وطبيعة الانسان وحدود المسموح والممنوع ومن داخل هذا الخراب خرجت ظواهر مدنية جديدة ليست كلها متشابهة وليست كلها متفقة لكنها تشترك في نقطة مركزية واحدة وهي رفض السلاح بوصفه وصيا على الدولة ورفض تحويل المجتمع الى قطيع خائف تديره القوة وتوجهه العقائد المغلقة.

هؤلاء المدنيون ليسوا طبقة منفصلة عن المجتمع كما حاولت الاحزاب تصويرهم وليسوا جماعات مستوردة من وراء البحار ولا مشروعاً لتفكيك القيم والعوائل كما سوقت ماكينات الخطاب الحزبي بل هم ابناء هذا المجتمع نفسه ينحدرون من عوائل شيعية ومن عشائر وقبائل ومدن محافظة عاشوا داخل البيئة ذاتها لكنهم قرروا ان يطرحوا اسئلة مختلفة وان يعترضوا على شكل السلطة لا على هوية المجتمع.

جزء كبير منهم تشكل وعيه بعد حراك تشرين حين اكتشف جيل كامل ان الفساد ليس حادثاً عابراً بل بنية حكم وان السلاح لم يعد وسيلة حماية بل اداة ضبط اجتماعي وسياسي وان المؤسسات تتحلل تدريجياً لصالح شبكات النفوذ والمصالح المغلقة وحين حاول هؤلاء ان يوجهوا النقد نحو الفساد والانهيار الاداري والسلاح المنفلت جرى تحويل المعركة بالكامل من نقد السلطة الى تخويف المجتمع.

كانت السلطة اكثر ذكاء من خصومها المدنيين فهي لم تدخل معهم في نقاشات تتعلق بالدولة والقانون والمؤسسات لانها تعرف ان هذه المساحات خاسرة بالنسبة لها بل ذهبت مباشرة الى العمق الاجتماعي والى مخاوف الناس البدائية فصورت المدني بوصفه تهديداً للعائلة والاخلاق والدين والهوية وصار النقاش لا يدور حول سرقة المال العام بل حول الملابس والمظاهر والاختلاط والانفتاح وصارت الاسرة تخاف من الناقد اكثر مما تخاف من الفاسد وتمت اعادة توجيه البوصلة بعناية فائقة حتى اصبح الفساد اقل خطراً في وعي الناس من شخص يكتب منشوراً ينتقد السلطة او يتحدث عن الحريات.

لقد نجحت هذه القوى في خلق شرخ اجتماعي عميق حين اقنعت البسطاء ان ازمتهم ليست مع السلاح ولا مع انهيار الخدمات ولا مع البطالة ولا مع الفشل المؤسساتي بل مع مجموعة من الشباب الذين يريدون تغيير شكل الحياة بينما الحقيقة الاكثر قسوة ان العالم تغير بالفعل سواء قبل المجتمع بذلك ام رفضه فالاجيال الرقمية والفضاءات الافتراضية والانفتاح الاقتصادي والثقافي والتواصل اليومي مع العالم لم تعد افكاراً مستوردة بل اصبحت جزءاً من التكوين النفسي والعقلي للاجيال الجديدة ولم يعد ممكناً عزل مجتمع كامل عن حركة التاريخ والتكنولوجيا والمعرفة.

المفارقة المؤلمة ان بعض القوى السياسية التي تستثمر في تخويف المجتمع من الانفتاح هي نفسها تعيش داخل منظومة العالم الحديث تستثمر فيه وتتعامل مع شركاته وتستخدم ادواته وتستفيد من اقتصاده بينما تريد من الناس ان تبقى اسيرة الخوف والانغلاق وكأن التقدم حلال على السلطة وحرام على المجتمع.

لكن الحقيقة يجب ان تقال ايضا ان المدنيين لم يكونوا دائماً على مستوى التحدي فالكثير منهم وقع في فخ الشعبوية والغضب غير المنظم وتحول بعض خطابهم الى حالة عدائية شاملة ضد الجميع دون تمييز بين الخصوم والفرص ودون فهم عميق لطبيعة النظام السياسي وتعقيداته ولم يستطيعوا حتى اللحظة انتاج مشروع سياسي متماسك يمتلك رؤية واقعية قابلة للتطبيق ولم ينجحوا في بناء شراكات حقيقية او تأسيس خطاب قادر على اختراق المجتمع لا مجرد الصراخ خارجه.

بعضهم تعامل مع المجتمع بتعالٍ ثقافي وبعضهم انجرف الى عداء مفتوح مع الدين والمتدينين فخسر مساحات واسعة كان يمكن كسبها بينما المجتمع العراقي بطبيعته ليس ضد الحرية كما يظن البعض وليس مع التطرف كما يتخيل البعض بل هو مجتمع مرتبك خائف يبحث عمن يطمئنه ويحفظ هويته ويؤمن له الحياة الكريمة في آن واحد.

ان المشكلة الحقيقية ليست بين الدين والمدنية كما يتم تصويرها بل بين الدولة واللادولة بين من يريد مؤسسات وقانوناً وعدالة وبين من يريد بقاء الفوضى المنظمة التي تسمح باستمرار النفوذ والسلاح والهيمنة والمفارقة ان كثيراً من المتدينين الحقيقيين المتواضعين اخلاقياً هم اقرب الى فكرة الدولة من كثير من السياسيين الذين يتاجرون بالدين ليل نهار.

المدنيون اليوم امام اختبار مصيري فاما ان يبقوا مجرد ظاهرة احتجاج صوتها عال وتأثيرها محدود واما ان يتحولوا الى مشروع وطني ناضج يفهم المجتمع ويخاطب الناس بلغتهم ويؤسس لمسار تدريجي طويل النفس يعرف كيف يدخل الى مؤسسات الدولة ويزاحم داخلها لا ان يكتفي بلعنها من الخارج السياسة ليست صراخاً اخلاقياً فقط وليست غضباً دائماً السياسة فهم للتوازنات ولمداخل القوة ولمزاج المجتمع وكيفية بناء النفوذ خطوة خطوة ومن دون ذلك سيبقى المدنيون خارج اسوار التأثير مهما كانت نواياهم نبيلة.

ان الراديكالية المطلقة ليست خياراً واقعياً للمدنيين لانهم لا يمتلكون مشروعاً انقلابياً ولا يسعون الى حكم الناس بالقوة وهم اساساً يؤمنون بالوسائل السلمية والديمقراطية لكن السلمية لا تعني الهشاشة والاعتدال لا يعني العجز والعمل المدني لا يعني البقاء في منطقة النخبة المغلقة بل يعني القدرة على انتاج اثر حقيقي داخل المجتمع والدولة معاً.

العراق لا يحتاج الى معركة بين متدين ومدني بقدر حاجته الى معركة بين دولة حقيقية ومنظومة تعيش على خراب الدولة ولا يحتاج الى شيطنة الشباب الذين يحلمون بحياة افضل بل يحتاج الى فهم لماذا وصل جيل كامل الى هذا الكم من الامتعاض واليأس والرفض.

فالسلطة التي تخاف من صوت مدني اعزل اكثر من خوفها من الفساد هي سلطة تعرف جيداً ان اخطر ما يهددها ليس السلاح بل الوعي وان المجتمع الذي يصدق ان خلاصه يكون بمحاربة الناقد لا بمحاربة الفاسد هو مجتمع يجري دفعه بعناية نحو العمى بينما تنخر الدولة قطعة بعد أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *