من المعارضة إلى السلطة: حين تنتقل الشخصية الشعبوية إلى داخل المؤسسة

من المعارضة إلى السلطة حين تنتقل الشخصية الشعبوية إلى داخل المؤسسة
يحلل انتقال السياسي الشعبوي من المعارضة إلى السلطة، حيث تتغير قواعد المسؤولية من النقد والمطالبة إلى القرار والمساءلة. ويميز بين قوة المسؤول وشخصنة المؤسسة، جاعلاً المعيار الحقيقي للنجاح في قدرة المسؤول على تقوية المؤسسة لا إخضاعها لحضوره الشخصي....

ليست كل الشخصيات السياسية التي تصل إلى مواقع متقدمة في الدولة نتاجًا طبيعيًا للمؤسسة السياسية التقليدية. بعض الشخصيات تصعد من خارج السياق المعتاد، وتشق طريقها عبر العمل المطلبي والمجتمعي، ثم تنتقل إلى فضاء المعارضة والمواجهة، قبل أن تجد نفسها في نهاية المطاف داخل المؤسسة التي كانت بالأمس تنتقدها وتشاكسها.

هذه الشخصيات تستحق الدراسة ليس من زاوية الانتماء السياسي أو الاجتماعي، وإنما من زاوية أكثر أهمية: كيف تتغير الشخصية عندما تنتقل من خارج السلطة إلى داخلها؟ وهل تستطيع أدوات المعارضة أن تتحول إلى أدوات حكم؟

هناك نموذج سياسي بدأ من بيئة العمل والحقوق والمطالب الأساسية للموظفين، وارتبط في بداياته بنشاط يقترب في بعض جوانبه من العمل النقابي، حيث كان الدفاع عن حقوق العاملين ومطالبهم يمثل جوهر حضوره العام.

في تلك المرحلة، كان من الطبيعي أن تكون لغته صدامية نسبيًا، وأن يرفع سقف المطالب، وأن يواجه الإدارة، وأن يضع نفسه في موقع المدافع عن الموظفين في مواجهة السلطة الإدارية.

لكن المسار لم يتوقف عند هذا الحد.

انتقلت الشخصية إلى العمل الحكومي، وأصبحت جزءًا من فريق يعمل داخل إحدى دوائر القرار، وهنا بدأت المفارقة الأولى بالظهور.

فالشخص الذي كان بالأمس يطالب السلطة ويضغط عليها أصبح جزءًا من منظومتها، ثم انتقل لاحقًا إلى العمل النيابي، حيث وجد نفسه أمام فرصة جديدة لممارسة الدور الرقابي والسياسي.

غير أن تجربته البرلمانية لم تأخذ شكل الانخراط التقليدي في التوازنات السياسية، ولم تتحول إلى جزء واضح من معادلات المناصب والتحالفات، بل حافظت على قدر من الصدام مع شخصيات وقوى سياسية مختلفة.

استخدم الخطاب السياسي والإعلامي لإثارة ملفات تتعلق بمسؤولين وشخصيات عامة، واستند في بعض الأحيان إلى مواقف وتصريحات سابقة أو ملفات أثارت جدلًا عامًا، ونجح في بعض الحالات في دفع الملفات نحو مسارات قانونية وقضائية، بينما لم تصل ملفات أخرى إلى نتائج ملموسة.

وبغض النظر عن الحكم على كل ملف على حدة، فإن الأهم في هذه التجربة هو أسلوب ممارسة السياسة.

لقد تشكلت لدى الشخصية هوية سياسية تقوم بدرجة كبيرة على الاشتباك مع السائد، وعلى مخاطبة الجمهور مباشرة، وعلى تقديم نفسها بوصفها صوتًا مختلفًا عن الطبقة السياسية التقليدية.

وهنا تظهر الشعبوية باعتبارها أداة سياسية.

والشعبوية ليست بالضرورة شتيمة سياسية، كما أنها ليست دائمًا مرادفًا للخطأ. فهي قد تنشأ عندما يشعر الجمهور بأن المؤسسات التقليدية لا تسمعه، فيظهر سياسي يحاول اختصار المسافة بينه وبين الناس، ويتحدث بلغة مباشرة، ويطرح قضايا حساسة بطريقة يفهمها الجمهور.

لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الشعبوية بديلًا عن المؤسسة، وليس وسيلة للتواصل معها ومع المجتمع.

فالمسؤول يستطيع أن يكون قريبًا من الناس، ولكن عليه في الوقت نفسه أن يعرف أن الدولة ليست منصة شخصية.

وهنا نصل إلى جوهر الإشكالية.

عندما يكون السياسي في المعارضة، يستطيع أن يرفع سقف الخطاب، وأن يهاجم الحكومة، وأن يطالبها بتقديم إجابات، وأن يكشف أوجه الخلل، ضمن الحدود القانونية.

لكن عندما يصبح جزءًا من الحكومة، تتغير قواعد المسؤولية.

لم يعد يمتلك فقط حق التعبير السياسي، بل أصبح يحمل مسؤولية مؤسسية.

المعلومة التي كانت في المعارضة أداة لكشف الخلل قد تصبح في السلطة معلومة محكومة بضوابط قانونية وأمنية وإدارية.

والتصريح الذي كان يُنظر إليه باعتباره موقفًا سياسيًا عندما كان نائبًا قد يُفهم عندما يصدر من وزير على أنه موقف رسمي للدولة.

والتصرف الفردي الذي كان مقبولًا نسبيًا من سياسي جماهيري قد يصبح مشكلة عندما يصدر عن رأس مؤسسة حكومية.

وهنا يجب أن نفرق بين شخصنة المؤسسة وبين قوة الشخصية داخل المؤسسة.

ليس مطلوبًا من المسؤول أن يكون ضعيفًا أو بلا حضور أو أن يتحول إلى موظف بيروقراطي صامت.

على العكس، تحتاج الدولة إلى شخصيات قوية وقادرة على اتخاذ القرار والتواصل مع المجتمع.

لكن القوة الحقيقية للمسؤول لا تتمثل في قدرته على تجاوز المؤسسة، وإنما في قدرته على إدارة المؤسسة من داخل قواعدها.

فالدولة الحديثة لا تقوم على مزاج الوزير، ولا على شعبية المسؤول، ولا على قدرته على جذب الجمهور، وإنما على القانون والإجراءات والتسلسل الإداري والمسؤولية الجماعية.

ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يكون المسؤول شعبويًا، وإنما أن تصبح الشعبوية هي منهج إدارة المؤسسة.

عندها تتحول الوزارة من مؤسسة لها نظام إلى مساحة تتحرك وفق رؤية فرد.

ويصبح حضور المسؤول الشخصي أقوى من هوية الوزارة.

ويصبح الحساب الشخصي امتدادًا للخطاب الحكومي.

وتصبح المعلومة الحكومية جزءًا من الاشتباك السياسي.

وتتحول الإنجازات من إنجازات مؤسسة إلى إنجازات شخص.

وهنا يبدأ الخلل الحقيقي.

لكن الإنصاف يقتضي القول إن المشكلة لا تقع دائمًا على عاتق الشخصية وحدها.

فالبيئة السياسية العراقية نفسها أنتجت نمطًا من العلاقة بين السياسي والمؤسسة يسمح أحيانًا بهذا التداخل.

الأحزاب تحتاج إلى الشعبية، والوزير يحتاج إلى الحضور، والبرلمان يحتاج إلى الظهور الإعلامي، والجمهور يريد مسؤولًا يتحدث إليه مباشرة.

وفي ظل ضعف المؤسسات الرقابية والمهنية في بعض المواقع، يصبح السياسي صاحب الحضور الجماهيري قادرًا على توسيع هامش حركته الشخصية.

وهكذا تنشأ معادلة غريبة:

المؤسسة تحتاج إلى السياسي، والسياسي يحتاج إلى الجمهور، والجمهور يصبح مصدر قوة السياسي داخل المؤسسة.

لكن الدولة لا يمكن أن تستمر بهذه المعادلة طويلًا.

لأن المؤسسات الديمقراطية لا تُبنى على الأشخاص مهما كانت شعبيتهم، وإنما على قواعد تستمر حتى بعد رحيل الأشخاص.

ومن هنا فإن تجربة هذه الشخصية تفتح سؤالًا أكبر من شخصها:

هل يستطيع السياسي العراقي الذي نشأ في فضاء الاحتجاج والمعارضة أن يتحول إلى رجل دولة عندما يصل إلى السلطة؟

هذا هو الاختبار الحقيقي.

فالانتقال من المعارضة إلى الحكومة ليس مجرد انتقال في الموقع، وإنما يجب أن يكون انتقالًا في ثقافة المسؤولية.

في المعارضة أنت تسأل: لماذا لم تفعل الحكومة؟

أما في الحكومة فأنت مطالب بأن تجيب: لماذا فعلت؟ ولماذا لم تفعل؟ وما الأساس القانوني؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ وما هي الإجراءات؟ وما أثر القرار على المؤسسة والدولة؟

وهذه نقلة ثقافية قبل أن تكون نقلة سياسية.

قد يكون السياسي ناجحًا في استقطاب الجماهير، وقد يكون قادرًا على خلق حالة إعلامية واسعة، وقد يمتلك شجاعة في مواجهة خصومه، وقد ينجح في تحريك ملفات ظلت ساكنة لسنوات.

لكن كل ذلك لا يعفيه من السؤال المؤسسي:

هل أصبح أقوى من المؤسسة أم جعل المؤسسة أقوى؟

هذا السؤال هو الذي ينبغي أن يُطرح على كل مسؤول، وليس على شخصية بعينها.

فإذا كانت قوة المسؤول تؤدي إلى تقوية القانون، وتسريع الإجراءات، وتحسين الأداء، وزيادة الشفافية ضمن الأطر القانونية، فإن الشخصية تصبح عنصرًا مساعدًا للمؤسسة.

أما إذا أصبحت المؤسسة تتحرك وفق حضور الشخص ومزاجه ورؤيته الفردية، فإن الخطر لا يكون في الشخص وحده، وإنما في النموذج الذي قد يتركه خلفه.

فما يبدأ باعتباره استثناءً لشخصية واحدة قد يتحول لاحقًا إلى ثقافة عامة:

كل وزير يريد أن يكون نجمًا.

كل مسؤول يريد أن يكون صاحب منصة.

كل مؤسسة تريد أن تتحدث باسم رئيسها.

وكل قرار يصبح مرتبطًا بشخص لا بنظام.

وهنا تتحول الدولة تدريجيًا من مؤسسات تحكم الأشخاص إلى أشخاص يحكمون المؤسسات.

لذلك فإن هذه الظاهرة لا ينبغي قراءتها باعتبارها صراعًا بين شخصية “مختلفة” ومؤسسة “تقليدية”، ولا باعتبارها مجرد حالة شعبوية ناجحة أو فاشلة.

إنها اختبار حقيقي لفكرة الدولة العراقية نفسها.

فهل نريد مسؤولًا جماهيريًا فقط؟

أم نريد مسؤولًا يستطيع أن يحتفظ بقربه من الناس، وبصراحته، وبقدرته على النقد، وفي الوقت ذاته يعرف أن للمنصب قواعد، وللدولة أسرارًا، وللمؤسسة تسلسلًا، وللقرار مسؤولية، وللسلطة حدودًا؟

ربما تكون أعظم لحظة في نضج السياسي ليست عندما يستطيع أن يهزم المؤسسة، بل عندما يستطيع أن يدخلها دون أن يفقد روحه، ودون أن يجعلها نسخة من شخصيته.

فالسياسي يستطيع أن يصنع شعبية في سنوات، لكن بناء مؤسسة قادرة على البقاء بعد رحيله هو الاختبار الأصعب.

وفي النهاية، ليست القضية: هل هذه الشخصية مختلفة؟

بل السؤال الأهم:

هل النظام السياسي العراقي قادر على تحويل الشخصيات المختلفة إلى رجال دولة، أم أنه يعيد إنتاج الدولة على صورة الأشخاص الذين يصلون إليها؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *