دلالة حادثة المسجد

حادثة المسجد ودلالة احتكار بيوت الله سياسياً
قراءة في دلالة حادثة مسجد البستان، وخطر احتكار المساجد، والتكفير، والتخوين، وتحويل بيوت الله إلى ساحات صراع حزبي...

حادثة المسجد ودلالة ما جرى

لست شيخاً، ولا عالم دين، ولا وصياً على أحد. إنما أنا إنسان فلسطيني عربي مسلم، أسعى للتقرب من الله وأبناء شعبي وأمتي العربية والإنسانية عموماً، بمعتقداتهم وأديانهم وطوائفهم ومذاهبهم جميعاً. وأفعل ذلك لتعزيز روح الوحدة الوطنية، ورص الصفوف لمواجهة تحديات وجرائم دولة الإبادة النازية الإسرائيلية ومن يقف خلفها. كما أسعى إلى نبذ الفرقة والتخوين والتكفير والتعصب وزندقة الآخرين، وترشيد المنحرفين، وهداية المتعصبين لحزب أو جماعة بعينها، إن استطعت إلى ذلك سبيلاً. ومن هنا تأتي دلالة حادثة المسجد التي تستحق الوقوف عندها.

مكانة المساجد وحرمة احتكارها

أود، في مقدمة زاويتي هذه، أن أؤكد أهمية بيوت الله جميعها، ومنها المساجد. وتكمن أهميتها الأساسية في الإسلام بأنها بيوت الله وأحب البقاع إليه. وهي المكان الأساسي لتجمع المسلمين وتوحيد صفوفهم، ومنبر للعبادة والتربية الصالحة والأخوة، ونشر العلم الشرعي والأخلاق الحميدة بين أبناء المجتمع الواحد.

وهي أحب البقاع إلى الله تعالى، لقول النبي صلعم: «أحب البلاد إلى الله مساجدها». وهي المكان الذي يقام فيه ركن الدين الإسلامي الأعظم، أي الصلاة جماعة، التي يتضاعف أجرها فخراً وفضلاً.

ولا يجوز لشخص أو جماعة اعتبار المسجد حكراً لها، أو منعه على غيرها. فالمساجد بيوت الله، وهي وقف عام لجميع المسلمين للعبادة والذكر، وليست ملكاً لقبيلة أو حزب أو عائلة. ولا يحق لأحد احتكار مرافقها، أو منع أي مصلٍّ من دخولها، أو الإمامة فيها.

والمساجد ملك لله تعالى، وكل من يسعى لبنائها أو الصلاة فيها متساوون في حق الانتفاع بها. ولا يُختص بها بانوها دون غيرهم. وقد حُرّم منع المسلمين من دخول المساجد أو تحويلها إلى ملكية حزبية أو فئوية، لأن ذلك يُعد ظلماً ومخالفة لقوله تعالى: «ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه».

كما مُنع حجز الأماكن والأشياء، أو وضع كرسي أو علامة خاصة لشخص بعينه، لأن أروقة المساجد ومرافقها مباحة لكل مسلم داخل إليها.

تفاصيل حادثة المسجد في البستان

ما تقدم له علاقة بما سأورده على مخالفة جماعة بعينها. وقد كنت شاهداً على الواقعة التي تعكس مخالفة تعاليم الله جل جلاله. ففي يوم الجمعة السابع من آب / أغسطس الماضي (2026)، ذهبت إلى مسجد البستان الكائن بحي البستان في قرية سردا أبو قش للصلاة فيه.

وعندما صعد إلى المنبر شيخ جليل للإمامة بالمصلين، وهو مرسل من وزارة الأوقاف الفلسطينية، تصدت له مجموعة من أعضاء حزب التحرير. وتلفظوا جميعاً بألفاظ نابية، وبعض ما قالوه: «هذا الرجل لا نعرفه»، و«إنه كافر ولص، وليس منا». وأضافوا: «إنه جاسوس»، وغيرها من الألفاظ البذيئة التي لا تمت بصلة إلى الإسلام الحنيف، ولا إلى التسامح والوحدة والأخوة.

وكادوا يفتعلون فتنة كبيرة بين المصلين، لولا حكمة الشيخ الوقور بعمامته وجبته، وحكمة المصلين الآخرين الذين رفضوا الرد على الإساءة بالإساءة. كما رفضوا إغلاظ الكلم، حرصاً على أداء الصلاة.

لكن جماعة التحريريين غالوا وأغلظوا في التكفير والتخوين والاستفزاز. واعتبروا أن المسجد ملكية خاصة وحصر لهم. وافترضوا أن عدم ترخيص المسجد من الوزارة يعني أنه يعود لهم دون سواهم من عباد الله المسلمين. وهذا ما دعا عدداً لا بأس به من المصلين إلى مغادرة المسجد دون تأدية صلاة الجمعة، لأن أحدهم اغتصب المنبر عنوة وبطريقة عدوانية.

حادثة المسجد وخطر الفتنة المتكررة

هذه حادثة المسجد الخطيرة ليست الأولى في هذا المسجد، وقد لا تكون الأخيرة. فمن يؤم الصلاة منهم في أيام الجمع وغيرها من الأيام وأوقات الصلاة الخمس لا يتورع عن انتهاج ذات اللغة التخوينية والتكفيرية للسلطة ومنظمة التحرير ولكل مسلم ليس منهم.

وهذا الأمر يستدعي من الجهات المختصة اتخاذ ما يلزم لمواجهة الفتنة التي يسعى أنصار حزب التحرير إلى تعميمها وإشاعتها في أوساط عباد الله من المسلمين.

وأولاً، هناك ضرورة للترشيد لأولئك المضللين منهم، والعمل على تخصيص عدد من أهل الكفاءة لتبيان الخيط الأبيض من الخيط الأسود لهم، وإعادتهم إلى رشدهم.

وثانياً، لا بد من التصدي للقائمين على زرع الفتنة وتخريب بيوت الله باستخدام الأساليب التي تتجاوز الترشيد. فقد باتوا بؤرة فساد وتحريض وتخريب لوحدة الصف، وتطاولوا على تعاليم الله والرسول صلعم وسنته الحميدة.

حزب التحرير ومسار الانقسام في المشهد الفلسطيني

من تابع نهج جماعة حزب التحرير على مدار سنوات وجودهم في المشهد الفلسطيني، قبل قيام السلطة وبعدها وحتى الآن، يجد أنهم كانوا عنواناً للانقسام ومخالفة تعاليم الإسلام في مختلف المناسبات. وقد ظهر ذلك في الأعياد، والصوم في شهر رمضان الفضيل، وغيرها من المناسبات.

كما انتهجوا سياسة الهدم والفجور داخل المجتمع الفلسطيني في مختلف المناسبات. وهذا الأمر يستدعي استخدام الكي الواعي والهادف لإنقاذ الناس من شرورهم ومفاسدهم، وخاصة من أنصارهم ومن عامة الشعب. والغاية من ذلك حماية الناس، وحماية وحدة الشعب والوطن والقضية والمشروع الوطني والنظام السياسي التعددي الديمقراطي.

ومن هنا، فإن حادثة المسجد لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها خلافاً عابراً على إمامة صلاة جمعة فحسب. بل ينبغي أن تُقرأ بوصفها علامة على خطر تحويل بيوت الله إلى ساحات احتكار حزبي، وتخوين ديني، واستفزاز اجتماعي، بما يهدد وحدة الصف وروح الأخوة داخل المجتمع الواحد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *