في عالم السياسة والإعلام، لا توجد كلمة تولد عفوياً؛ فالألفاظ هي قوالب تُصاغ فيها الأفكار، وتغيير المسميات كثيراً ما يهدف إلى تغيير الدلالات أو تشويه الحقائق المعرفية. ومن أبرز الأمثلة على هذا “التيه المصطلحاتي” في الإعلام العربي المعاصر هو استخدام تعبير “المرشد الأعلى” للإشارة إلى رأس الهرم السياسي والديني في الجمهورية الإسلامية الإيرانية. فما هي حقيقة هذا المصطلح؟ وكيف تحول إلى صيغة هجينة تشوه المفهوم الأصلي؟ ولماذا يتوجب على الباحثين والإعلاميين العودة إلى التسمية الدقيقة وهي “الولي الفقيه”؟
من الصوفية إلى الحركية: أصل كلمة “المرشد”
قبل أن تصبح الكلمة مرتبطة بطهران في الأذهان، كانت كلمة “المرشد” حكراً على أدبيات أخرى. يعود الأصل التاريخي الحديث للمنصب السياسي المرتبط بالمرشد إلى مصر عام 1928، وتحديداً إلى مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، حسن البنا.
استلهم البنا اللفظ من التراث الصوفي (حيث المرشد هو الشيخ التربوي والروحي للمريدين)، ونقله إلى سياق حركي وتنظيمي، فأصبح “المرشد العام” هو القائد الفعلي للتنظيم الذي تجب له البيعة والسمع والطاعة. من هنا، فإن صفة “المرشد” بصيغتها السياسية هي ابتكار إخواني خالص، ولا علاقة لها بالفقه الشيعي أو الحوزوي.
صناعة الهجين: كيف طبخ الإعلام الغربي والعربي التسمية؟
بعد عام 1979، وقف الإعلام الغربي عاجزاً أمام هيكلية الحكم الجديدة في إيران. لم يجدوا في قواميسهم السياسية ما يفسر منصب آية الله الامام روح الله الخميني ؛ فهو ليس رئيساً للجمهورية ولا رئيساً للوزراء، بل رجل دين يملك الكلمة الفصل.
لتقريب الصورة للمشاهد الغربي، بدأت الصحافة الأجنبية بوصفه في البداية بـ Spiritual Leader (المرشد الروحي) تشبيهاً له بالباباوات، ثم مع اتساع صلاحياته الدستورية والعسكرية تحول الوصف إلى Supreme Leader (القائد الأعلى) للإيحاء بالسلطة المطلقة.
الأزمة الحقيقية حدثت في غرف الأخبار العربية؛ حيث قام المترجمون بدمج المصطلحين الغربيين (الروحي والأعلى) مع استدعاء الذهنية العربية لمصطلح الإخوان المسلمين (المرشد)، فنتج عن هذا الدمج العشوائي مسخ لغوي وهجين يُدعى “المرشد الأعلى”، وهو مصطلح لا وجود له في الدستور الإيراني ولا في الحوزات العلمية.
الفارق الجوهري: لماذا يقلل تعبير “المرشد” من حقيقة المنصب؟
إن استبدال التسمية الحقيقية بكلمة “المرشد” ليس مجرد خطأ لغوي، بل هو تقليل وإزاحة للمفهوم الفقهي والدستوري للمنصب، وذلك لسببين:
لغوياً بالفارسية: الترجمة الحرفية لكلمة مرشد هي (راهنما)، وتعني الدّال على الطريق أو المستشار، بينما التسمية الرسمية في إيران هي (رهبر) وتعني القائد الفعلي الذي يقود ويمشي في المقدمة.
فقهياً ودستورياً: المصطلح الشرعي والقانوني المعتمد هو “الولي الفقيه” أو “القائد”. فالولاية هنا ليست إرشاداً ونصحاً اختيارياً كما هو حال المرشد الصوفي أو الحركي، بل هي سلطة حكم وإدارة وتنفيذ دستورية ملزمة للأمة في عصر غيبة الإمام المعصوم (بحسب النظرية الفقهية لولاية الفقيه).
الخلاصة: دعوة لضبط البوصلة الإعلامية
إن استمرار وسائل الإعلام والجمهور في تداول مصطلح “المرشد الأعلى” يساهم في تجهيل الرأي العام وحجب المصطلحات الفقهية والدستورية الحقيقية وراء مسميات صحفية هجينة تخلط بين تجارب حركية وأنظمة حكم دستورية شيعية
من أجل الأمانة العلمية والدقة المعرفية، وتصحيحاً لما أفسدته الترجمات الصحفية ، يجدر بالكتّاب والمحللين والجمهور العودة إلى استخدام المصطلح الأصلي: “الولي الفقيه” عند الحديث عن البُعد الشرعي، أو “القائد” عند الحديث عن البُعد الدستوري السياسي، وترك التسميات المهجنة خلف الظهر.


