من مطار صنعاء إلى باب المندب: إشعال الحرب اليمنية وتحوّلها الاستراتيجي

من مطار صنعاء إلى باب المندب إشعال الحرب اليمنية وتحوّلها الاستراتيجي
يتناول النص تصاعد المواجهة في اليمن وتحولها من صراع حدودي إلى معادلة بحرية استراتيجية، مع التركيز على باب المندب والمخا وميون، وتأثير ذلك على توازنات الأمن الإقليمي والقوى المتنافسة...

في الثالث عشر من تموز 2026 شنّت القوات الحكومية اليمنية المدعومة سعوديًا غارة جوية على مدرج مطار صنعاء الدولي لمنع طائرة إيرانية من الهبوط كانت تقلّ وفداً حوثياً رفيع المستوى عائداً من طهران بعد مشاركته في مراسم تشييع المرشد الإيراني علي الخامنئي. وأعلنت الحكومة أن الوفد أصرّ على العودة بطائرة إيرانية خارج الأطر السيادية والقانونية فكان القصف ردّاً على ما وصفته بانتهاك السيادة. أما الحوثيون فقد اعتبروا ما جرى عدواناً سافراً وإعلان حرب وأعلن المتحدث العسكري يحيى سريع في اليوم نفسه أن مرحلة خفض التصعيد قد انتهت وأن هذا العدوان لن يمرّ دون عقاب وفي غضون ساعات أطلقت الجماعة صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة باتجاه مطار أبها في جنوب السعودية في أول ردّ انتقامي.

ومنذ ذلك اليوم دخلت اليمن في تصعيد متسارع لم تشهده منذ سنوات ففي العشرين من تموز الماضي أعلن الحوثيون حظراً على الملاحة السعودية في البحر الأحمر وبدأوا استهداف السفن والمنشآت داخل المملكة. ثم انتقلت المواجهة في أيلول من الضربات المتبادلة عبر الحدود إلى هجوم بري واسع على الساحل الغربي. ففي الثالث من أيلول أطلقت الجماعة عملية عسكرية كبيرة باتجاه محافظتي تعز والحديدة وتوالت المكاسب الميدانية بوتيرة سريعة وفي العاشر من أيلول أعلن أن مدينة المخا الساحلية الواقعة على بعد نحو خمسة وسبعين كيلومتراً من مضيق باب المندب قد سقطت بيد الحوثيين وأن القتال لا يزال مستمراً على عدة جبهات.

لكن التحوّل الاستراتيجي الأهم وقع بين العاشر والحادي عشر من أيلول فبعد السيطرة على المخا تقدّمت القوات الحوثية جنوباً وتمكنت من السيطرة على قاعدة خالد العسكرية ومفرق المخا ثم أحكمت سيطرتها على جزر حنيش. وفي فجر الحادي عشر من أيلول انسحبت القوات المدعومة سعوديًا من جزيرة ميون في قلب مضيق باب المندب فنزلت وحدات بحرية حوثية على الجزيرة دون مقاومة عسكرية. وفي اليوم نفسه دخلت القوات الحوثية بلدة ذو باب الساحلية ووصلت إلى شواطئ المضيق وأعلن المتحدث العسكري يحيى سريع أن الجماعة سيطرت منذ الثالث من أيلول على نحو خمسة آلاف وأربعمئة كيلومتر مربع في ست مديريات وأنها خاضت اثنتين وثلاثين مواجهة مع الطيران السعودي أسقطت خلالها تسع طائرات.

وجاء التقدم العسكري أسرع مما توقّعه كثيرون فقد اضطرت القوات التي تسمى بحكومة الشرعيه إلى الانسحاب نحو منطقة الحوطة في محافظة لحج على بعد نحو تسعين كيلومتراً من العاصمة المؤقتة عدن وسط تقارير عن حالة من الارتباك في صفوفها إذ أقدم بعض الجنود على بيع أسلحتهم بأسعار زهيدة بينما تخلى آخرون عن زيهم العسكري ولاذوا بالفرار باتجاه عدن. وفي هذه الأثناء اتصل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بالرئيس الأميركي دونالد ترامب مرتين في العاشر من أيلول يحثّه على توجيه ضربات مباشرة ضد الحوثيين لكن ترامب رفض مكتفياً بالقول إن “كل شيء سينتهي على خير” وكاشفاً أن الحوثيين طلبوا من واشنطن عدم مهاجمتهم.

وهكذا من مدرج مطار صنعاء إلى جزيرة ميون في قلب باب المندب لم تفصل سوى شهرين فقط فقصف تموز أشعل الفتيل وهجوم أيلول سبتمبر على الساحل الغربي أنجز الترجمة الاستراتيجية لهذا الاشتعال ،من الردّ على العدوان إلى الإمساك بالشريان البحري الأهم في المنطقة. وإذا كان الحوثيون يؤكدون أن الملاحة الدولية آمنة فإن حظرهم على السفن السعودية لا يزال سارياً،والغارات الجوية والقصف المتبادل من كلا الجانبين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *