مخاض النظام العالمي: حين تُحضر إيران طاولتها إلى “يالطا الجديدة”

مخاض النظام العالمي حين تُحضر إيران طاولتها إلى يالطا الجديدة
يشهد النظام الدولي تحولات عميقة تنقل العالم من الأحادية القطبية نحو تعددية أقطاب مرنة. وتبرز إيران كقوة مؤثرة في صياغة التوازنات الجديدة، بينما تسعى واشنطن إلى تجنب مواجهة شاملة قد تسرّع تراجع هيمنتها، وسط مخاض جيوسياسي يمهد لنظام عالمي جديد....

ليس كل تراجعٍ عجزاً، ولا كل مناورةٍ قوّة؛ فالسطح المغطى بالضجيج الإعلامي والتذبذب اليومي بين تهديدٍ مرتقب وهدنةٍ هشّة يخفي تحته حركة التكتونيات السياسية الكبرى التي تعيد تشكيل وجه الأرض. يتوه الكثيرون في تفاصيل المشهد المشهدي اليومي، بينما تخوض القوى الفاعلة صراعاً أعمق بكثير من مجرد حسم معركة موضعية أو تسجيل نقطة سياسية عابرة، فهو صراعٌ على الهندسة النهائية لما بعد النظام الدولي الحالي.

*لقد سبق لي أن تناولت هذه الرؤية الاستشرافية منذ أكثر من عام تقريباً في مقال نُشر تحت عنوان “ما بين يالطا 1945 والحاضر: العالم يتجه نحو يالطا 2” [https://share.google/8GC7Sk6uqvekciw9q ]*

حيث أكدتُ فيه أن التحولات الجيوسياسية الراهنة ليست سوى التمهيد التاريخي لمؤتمرٍ جديد يُعيد رسم خريطة النفوذ العالمية. واليوم، يتأكد هذا المسار بوضوح؛ حيث دخل العالم مرحلة مخاضٍ شاقة تشابه تلك التي سبقت مؤتمر “يالطا” عام 1945، يوم التقت القوى العظمى لتسمية العالم الجديد وترسيم حدود نفوذه. غير أن المعطى الأكثر إثارة اليوم هو أن العواصم التي صاغت الهيمنة لعقود لم تعد تُمسك بالريشة بمفردها، فقد حجزت إيران مقعداً مكافحاً ونوعياً على هذه الطاولة الدولية المتقاطعة، لتفرض حضورها كقوة إقليمية-دولية لا يمكن تجاوزها أو التغافل عن تأثيرها عند كتابة “البيان الختامي” للمرحلة القادمة.

إن تصريحات الإدارة الأمريكية واللعبة الإعلامية التي يُدار بها الصراع من خلف الشاشات ليست دليلاً على اقتدارٍ يضمن النصر المحتوم، بل هي محاولة صريحة لضبط الإيقاع ولعب أوراق الضغط قبل إعلان النتائج الرسمية، إذ أثبتت الوقائع الميدانية أن حسابات العواصم الإمبريالية صادمت سقفاً صلباً من استراتيجية “النفس الطويل” ومعارك الاستنزاف—وهي المساحة التاريخية التي أتقنها محور المقاومة بقيادة إيران على مدى عقود. وتسعى واشنطن جاهدة لتفادي التدحرج نحو مواجهة شاملة تأكل ما تبقى من هيبتها العسكرية والتاريخية، غير أن القواعد الفيزيائية للسياسة تؤكد أنه حين تخرج أدوات الصراع عن السيطرة، فإن التنازلات المحدودة والتردد قد يتحولان مفاجئاً إلى انزلاقٍ شامل لم تحسب له الإمبراطورية حساباً.

إن المتأمل بعمق في هندسة العالم المقبِل يدرك أن الاستقطاب القديم قد انتهى إلى غير رجعة؛ فلا الأحادية القطبية التي تزعمتها النيوليبرالية قادرة على الاستمرار، ولا النموذج القديم القائم على الثنائية الكلاسيكية بين الاشتراكية والرأسمالية قابل للإعادة. نحن نتحرك بخطى حثيثة نحو تعددية أقطاب مرنة، نظام دولي يتشكل في المساحة الفاصلة ويمكن وصفه بـ “أمرٍ بين أمرين”؛ حيث تتوزع أوراق القوة بين كتل جيوسياسية متعددة تحكمها المصالح المتقاطعة والتوازنات الردعية. وإن احتمال الانزلاق نحو تصعيد غير محسوب ليس مجرد خطأ تكتيكي قد يرتكبه الصانع الأمريكي، بل هو المسرّع التاريخي الذي سينهي حقبة الهيمنة الأحادية، لتكون نهاية هذه المواجهة بمثابة التوقيع النهائي على “بيان يالطا 2” الذي يعلن رسمياً ميلاد عالمٍ متعدّد الأقطاب، تُصاغ معادلاته بدماء التضحيات وحكمة الصمود، وبداية العصر الذي يستعيد فيه الشرق وشركاؤه حقهم في رسم خارطة القوة والكرامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *