الإصلاح المالي في العراق.. من اقتصاد الريع إلى اقتصاد الإنتاج

الإصلاح المالي في العراق.. من اقتصاد الريع إلى اقتصاد الإنتاج
هذا المقال يناقش مسار الإصلاح المالي في العراق عبر تقليص الهدر والتهرب، وإصلاح الدعم والتحصيل الجمركي والضريبي، وربط الوفورات بالاستثمار والإنتاج، بما يمهّد للانتقال من اقتصاد ريعي يعتمد على النفط إلى اقتصاد إنتاجي أكثر تنوعاً....

يمر العراق بمرحلة يمكن وصفها بإعادة تعريف “العقد المالي بين الدولة والاقتصاد”. فقد قام النموذج الاقتصادي لسنوات على معادلة مفادها أن النفط يمول الموازنة، والموازنة تمول الرواتب والدعم والإنفاق العام، فيما بقي القطاع الخاص محدود المساهمة في الإنتاج والتشغيل والإيرادات. وكان هذا النموذج قابلاً للاستمرار مع ارتفاع أسعار النفط، لكنه أصبح أكثر هشاشة مع اتساع النفقات الجارية، وارتفاع فاتورة الرواتب، وضعف الإيرادات غير النفطية، وتقلب أسعار النفط، وارتفاع كلفة الاستيرادات.

ومن هنا تأتي الإجراءات الجديدة، ومنها إعادة تنظيم أسعار النفط الخام المجهز للمصافي، وتطبيق نظام “الأسيكودا” للتحصيل المسبق للرسوم والضرائب، وضبط التحويلات والاستيرادات، باعتبارها انتقالاً من سياسة زيادة الإنفاق عند وفرة الإيرادات إلى البحث عن الإيرادات الضائعة والحد من التسرب المالي. فالإصلاح الحقيقي لا يعني زيادة الضرائب والأسعار فقط، بل ضمان تحصيل مستحقات الدولة ومنع تحول الدعم إلى منفذ للتهريب والفساد.

أولاً: إعادة تنظيم الدعم وحماية المواطن

لم يتجه القرار إلى رفع الدعم عن الوقود المقدم للمواطن بصورة مباشرة، بل إلى إعادة تنظيم السعر الذي تحصل به شركات المصافي على النفط الخام، بحيث يرتبط بسعر شركة تسويق النفط العراقية “سومو” مع خصم يصل إلى 30%، أو بسعر البرميل المعتمد في الموازنة، أيهما أقل.

اقتصادياً، تسعى الدولة من خلال ذلك إلى استرداد جزء من الريع الذي كان يذهب إلى الحلقة الإنتاجية داخل القطاع النفطي، بدلاً من تحميل المواطن مباشرة كلفة الإصلاح. وتُعد هذه الخطوة إيجابية من حيث التصميم، لأن رفع أسعار البنزين والكاز والغاز للمستهلك النهائي قد يسبب صدمة تضخمية واسعة، بينما يمكن لإعادة التسعير بين مؤسسات الدولة أن تحقق إيرادات إضافية دون انتقال كامل الأثر إلى المواطن.

ثانياً: حين يتحول الدعم إلى هدر

الدعم في العراق لم يكن مجرد سياسة اجتماعية لحماية المواطن، بل تحول في بعض جوانبه إلى نظام اقتصادي كامل يخلق فروقات سعرية يمكن استغلالها. عندما يكون سعر المنتج النفطي المحلي أقل كثيراً من قيمته الاقتصادية، تظهر ثلاث نتائج:

  1. زيادة الطلب على المنتج المدعوم.
  2. اتساع الفارق بين السعر المحلي والسعر الخارجي.
  3. خلق حافز للتهريب وإعادة البيع في السوق السوداء.

وهنا تصبح الدولة في وضع متناقض، فهي تنفق الأموال لدعم المنتج بهدف مساعدة المواطن، ثم تفقد جزءاً من الدعم عبر التهريب أو سوء التخصيص.

ثالثاً: الإصلاح المالي الحقيقي يبدأ من النفط

ان إعادة تنظيم قطاع النفط، يعطي إمكانية إضافة إيرادات كبيرة للخزينة، إلى جانب الإيرادات التي يمكن أن تأتي من تطبيق “نظام الأسيكودا” والرسوم والضرائب. لكن يجب الحذر من النظر إلى هذه الإيرادات باعتبارها حلاً نهائياً للعجز. فحتى لو نجحت الحكومة في تحصيل مليارات الدنانير الإضافية، فإن المشكلة البنيوية ستبقى قائمة إذا استمر ارتفاع الإنفاق الجاري، والاعتماد الكبير على النفط، وضعف الإنتاج المحلي، ومحدودية الإيرادات الضريبية والجمركية. بمعنى آخر، الإصلاح المالي لا ينجح بمجرد زيادة الإيرادات، بل عندما يحدث تقارب بين نمو الإيرادات ونمو الاقتصاد الحقيقي. وهنا تظهر أهمية موازنة 2027 التي يجري الحديث عنها بوصفها فرصة لإعادة تصميم هيكل الإنفاق. المطلوب ألا تتحول الإيرادات الجديدة إلى مجرد مصدر إضافي لتمويل الرواتب والنفقات التشغيلية، وإلا فإن الدولة ستؤجل الأزمة بدلاً من حلها.

رابعاً: تحويل النفط إلى قيمة مضافة

العراق ما زال يعاني من فجوة في إنتاج المشتقات النفطية، رغم امتلاكه احتياطيات نفطية وإنتاجاً خاماً كبيراً. ومن هنا فالحاجة إلى زيادة الطاقة التكريرية بنحو 500 ألف برميل يومياً لسد جانب مهم من هذه الفجوة. وهنا تظهر مفارقة اقتصادية شديدة الأهمية: العراق يبيع النفط الخام، ثم يستورد جزءاً من المنتجات النفطية التي يحتاج إليها.

أي أن القيمة المضافة التي كان يمكن أن تُخلق داخل الاقتصاد العراقي تنتقل إلى الخارج. لذلك فإن الإصلاح المالي يجب أن يرتبط بالإصلاح النفطي الصناعي.

ليس كافياً أن تحصل الخزينة على سعر أفضل للنفط الخام الذي تبيعه للمصافي، بل ينبغي أن يتحول العراق تدريجياً إلى اقتصاد ينتج مشتقات ذات قيمة مضافة أعلى. وهذا يعني الاستثمار في: التكرير، والبتروكيمياويات، والصناعات النفطية، والصناعات التحويلية، والتصدير.

وهنا يمكن أن يصبح النفط ليس مجرد مصدر لإيرادات الموازنة، وإنما منصة لتكوين اقتصاد صناعي.

خامساً: الأسيكودا ومحاصرة التهرب المالي

من منظور الإصلاح المالي، ربما يكون تطبيق نظام الأسيكودا والتحصيل الإلكتروني للرسوم والضرائب أكثر أهمية على المدى الطويل من إعادة تسعير النفط للمصافي. السبب أن المشكلة العراقية ليست دائماً ضعف معدلات الضرائب، وإنما ضعف القدرة على التحصيل والرقابة والتتبع. إذا استطاعت الدولة أن تعرف: ماذا استورد التاجر؟ وكم تبلغ قيمته الحقيقية؟ وكم دفع من الرسوم؟ وكم دفع من الضرائب؟ ومن أين خرجت الحوالة؟ وأين دخلت البضاعة؟

فإنها تنتقل من اقتصاد يعتمد على التقدير الورقي إلى اقتصاد قابل للتتبع الرقمي. وهذا يضرب أحد أهم مصادر الاقتصاد غير الرسمي والتهرب المالي. والأهم أن توحيد الإجراءات في المنافذ الاتحادية والإقليمية ضروري حتى لا تنتقل التجارة من منفذ إلى آخر بحثاً عن فروقات الرسوم والضرائب.

سادساً: لا إصلاح مالي بلا قطاع خاص

هنا تصل السياسة الجديدة إلى جوهرها الحقيقي. إذا قامت الحكومة بتقليل الدعم، وزيادة الضرائب، وتشديد الكمرك، وضبط الإنفاق، لكنها لم تخلق قطاعاً خاصاً منتجاً، فإن النتيجة ستكون تقشفاً اقتصادياً وليس إصلاحاً اقتصادياً. الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى أن تنتقل الدولة من: الدولة الموظِّفة إلى الدولة المنظِّمة والمحفِّزة للاستثمار.

ولهذا فإن فكرة المدن الصناعية، وتطوير البنية التحتية، وتوفير التمويل المصرفي، وتحسين الكهرباء والخدمات اللوجستية، ملفات ليست منفصلة عن الإصلاح المالي، بل هي جزء منه.

فكل مصنع جديد يعني: وظائف، وأجور، وضرائب، وطلب محلي، وإنتاج، وصادرات محتملة، وتقليل الاستيراد. وبالتالي فإن أفضل إيراد غير نفطي هو الإيراد الناتج عن اقتصاد منتج، وليس مجرد فرض رسم جديد.

سابعاً: استثمار الوفورات بدل استهلاكها

هذه هي نقطة الاختبار الحقيقي للحكومة، إذا وفرت عدة تريليونات من الدنانير نتيجة إعادة تنظيم الدعم والكمارك والضرائب، ثم استخدمتها في زيادة النفقات الجارية، فلن يتغير النموذج الاقتصادي. أما إذا وجهت جزءاً كبيراً من الوفورات إلى: مشاريع البنية التحتية الإنتاجية، والتكرير، والغاز، والكهرباء، والنقل والسكك، والمدن الصناعية، والزراعة الحديثة، والتمويل الصناعي، والتحول الرقمي، والتعليم التقني. فإن الوفورات ستتحول من إيراد مالي مؤقت إلى أصل اقتصادي يولد إيرادات مستقبلية. وهنا يكمن الفرق بين الإصلاح المالي الحقيقي وبين مجرد سد فجوة في الموازنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *