منذ أكثر من عقدين، يطرح السؤال نفسه في الشارع العراقي وفي الأوساط السياسية: هل يمكن بناء دولة عراقية مستقلة، تمتلك قرارها الأمني والسياسي والاقتصادي، بعيداً عن الولاءات والتأثيرات الخارجية؟ الإجابة المختصرة هي: نعم، ذلك ممكن. لكنه ليس قراراً إدارياً يُتخذ في جلسة واحدة، ولا مشروعاً يمكن إنجازه خلال فترة قصيرة، بل هو مشروع وطني طويل الأمد يقوم على ثلاثة أركان مترابطة لا يمكن الفصل بينها: الأمن، والاقتصاد، والعقد الاجتماعي. احتكار الدولة للسلاح والقانون تبدأ السيادة من قدرة الدولة على فرض القانون داخل حدودها.
ولا يمكن الحديث عن دولة موحدة وقوية ما دامت هناك جهات مسلحة خارج الأطر القانونية والمؤسسات الرسمية للدولة. والطريق إلى قرار أمني موحد يمر عبر خطوات أساسية، في مقدمتها حصر السلاح بيد الدولة، وإعادة تنظيم التشكيلات المسلحة ضمن الأطر القانونية والمؤسسات الأمنية، مع توفير التدريب والتأهيل والرواتب، وترسيخ عقيدة وطنية واحدة يكون ولاؤها للعراق ومؤسساته. ولا تكتمل هيبة الدولة من دون قضاء مستقل يطبق القانون على الجميع من دون استثناء. فالقضاء العادل والقادر على حسم النزاعات يقللان حاجة المواطن إلى اللجوء إلى العشيرة أو الفصيل أو أي جهة أخرى للحصول على حقوقه.
كما أن العراق بحاجة إلى أجهزة أمنية واستخبارية مهنية تعمل وفق القانون، وتضع حماية العراق ومواطنيه فوق أي اعتبار آخر. لقد أثبتت تجربة مواجهة تنظيم داعش أن العراقيين قادرون على توحيد جهودهم الأمنية والعسكرية عندما يواجهون تهديداً وجودياً مشتركاً. والتحدي اليوم هو تحويل ذلك التكاتف الذي فرضته ظروف الحرب إلى عقيدة وطنية ثابتة في زمن السلم. استقلال القرار السياسي والاقتصادي الاستقلال لا يعني الانعزال عن العالم، فالدول في عصرنا لا تستطيع أن تعيش بعيداً عن محيطها الإقليمي والدولي.
والمقصود بالاستقلال أن تكون المصلحة العراقية هي البوصلة الأولى في صناعة القرار. اقتصادياً، يحتاج العراق إلى تقليل اعتماده الكبير على النفط، وتنويع مصادر الدخل من خلال دعم الصناعة والزراعة والسياحة والقطاع الخاص، وتشجيع الاستثمار المنتج. فكلما كان الاقتصاد أكثر تنوعاً وقدرة على توليد الإيرادات، امتلكت الدولة هامشاً أوسع في اتخاذ قراراتها بعيداً عن الضغوط الاقتصادية. أما سياسياً ودبلوماسياً، فإن موقع العراق الجغرافي يجعله في قلب منطقة شديدة التعقيد.
ولذلك فإن مصلحته لا تكمن في الاصطفاف الدائم مع محور ضد آخر، وإنما في بناء سياسة خارجية تقوم على التوازن والمصالح المتبادلة مع الجميع: الدول العربية، وإيران، وتركيا، والمجتمع الدولي. كما أن تنظيم عمل الأحزاب، وتعزيز الشفافية في مصادر تمويلها، يمكن أن يساهما في الحد من النفوذ الخارجي المباشر وغير المباشر في القرار السياسي العراقي. العقد الاجتماعي والهوية الجامعة إن الفراغ الداخلي هو أحد أهم المداخل التي تسمح بالتأثير الخارجي.
ولذلك فإن الدولة لا تصبح قوية بالسلاح والقوانين وحدهما، وإنما عندما يقتنع المواطن بأنها الضامن لحقوقه ومستقبله. ويحتاج العراق إلى مشروع هوية وطنية جامعة تتجاوز الانتماءات الفرعية، وتؤكد أن «العراقي» هو الإطار الوطني الأعلى الذي يجمع الجميع، مع احترام التنوع الذي يشكل جزءاً من طبيعة المجتمع العراقي. كما أن بناء دولة خدمات حقيقية، توفر الكهرباء والماء والتعليم والصحة وفرص العمل بعدالة، يمثل جزءاً أساسياً من بناء الثقة بين المواطن والدولة.
فالمواطن الذي يشعر بأن دولته تحمي حقوقه وتوفر له الخدمات الأساسية، لن يكون مضطراً للبحث عن بديل خارج مؤسساتها. ويحتاج النظام السياسي كذلك إلى مزيد من الرشد والاستقرار، من خلال انتخابات نزيهة، وتداول سلمي للسلطة، ومحاسبة حقيقية للفاسدين، بما يعيد ثقة المواطن بالمؤسسات ويعزز شرعية الدولة. دولة القرار المستقل يمتلك العراق مقومات الدولة: جيشاً وطنياً، وحدوداً معترفاً بها، وثروات طبيعية كبيرة، وتجربة سياسية وديمقراطية، وشعباً دفع أثماناً باهظة خلال العقود الماضية، ولم يعد يريد العودة إلى مربع الفوضى والحرب.
إن بناء دولة عراقية مستقلة ذات قرار أمني موحد ليس حلماً مستحيلاً، لكنه في الوقت نفسه ليس مهمة سهلة. إنها معادلة متكاملة: توحيد السلاح من دون اقتصاد قوي يبقى هشاً، واقتصاد قوي من دون عقد اجتماعي يبقى معرضاً للاهتزاز، وعقد اجتماعي من دون أمن موحد يبقى مجرد أمنيات. المطلوب اليوم إرادة سياسية وطنية تضع بناء الدولة في مقدمة الأولويات، وتتعامل معه بوصفه مشروعاً طويل الأمد، لا استجابة مؤقتة لأزمة عابرة.
فالعراق لا يحتاج إلى دولة أقوى على مواطنيها، بل إلى دولة أقوى بمؤسساتها، أكثر استقلالاً في قرارها، وأكثر عدلاً في تعاملها مع مواطنيها. وعندما يصبح القرار الأمني والسياسي والاقتصادي عراقياً أولاً، يمكن عندها الحديث عن دولة تمتلك سيادتها كاملة، وتستطيع أن تبني علاقاتها مع الآخرين من موقع الندية والمصلحة المشتركة.


