العراق بين النفط وانعدام الأمن؛ التداعيات الجيوسياسية للهجوم على خط أنابيب النفط السعودي

العراق بين النفط وانعدام الأمن؛ التداعيات الجيوسياسية للهجوم على خط أنابيب النفط السعودي
تتناول هذه المقالة تداعيات استهداف خط أنابيب النفط السعودي شرق–غرب على أمن الطاقة والاقتصاد العراقي، مؤكدةً مخاطر استخدام الأراضي العراقية في الصراعات الإقليمية وضرورة حماية التجارة والاستثمار وبناء منظومة إقليمية لأمن الطاقة...

أعتقد أن الهجوم الذي استهدف خط أنابيب النفط السعودي شرق–غرب يمثل تطوراً بالغ الخطورة، ليس فقط من الناحية الأمنية، وإنما من زاوية الاقتصاد السياسي وأمن الطاقة في المنطقة. أهمية هذا الخط تتضاعف في الظرف الحالي لأنه يمثل أحد أهم البدائل أمام السعودية لتصدير نفطها بعيداً عن مضيق هرمز، وبالتالي فإن استهدافه يعني عملياً توسيع دائرة المخاطر التي تواجه منظومة الطاقة الإقليمية.

الخط يمتد لنحو 1,200 كيلومتر ويربط مناطق الإنتاج في شرق السعودية بميناء ينبع على البحر الأحمر، وقد أصبح خلال أزمة مضيق هرمز مساراً استراتيجياً لتقليل اعتماد الصادرات السعودية على الخليج. وتشير تقديرات حديثة إلى أن الخط كان ينقل نحو 4 ملايين برميل يومياً، أي ما يقارب 4% من الإمدادات النفطية العالمية، ولذلك فإن استمرار توقفه لفترة طويلة يمكن أن يضيف ضغوطاً كبيرة إلى سوق النفط العالمي.

ومن وجهة نظري، فإن أخطر ما في الحادثة ليس الضرر المادي المباشر للأنبوب، وإنما انتقال الصراع من استهداف طرق الملاحة إلى استهداف البدائل البرية التي أنشئت أصلاً لتجاوز المخاطر البحرية. نحن أمام منظومة مخاطر مترابطة: مضيق هرمز من جهة، وباب المندب والبحر الأحمر من جهة أخرى، والآن خطوط الأنابيب التي يفترض أن توفر بديلاً عن هذه الممرات.

وهذا يعني أن هامش الأمان في سوق الطاقة العالمي أصبح أضيق بكثير. أما بالنسبة للعراق، فأعتقد أن هناك ضرورة للتمييز بين أمرين. إعلان الحكومة العراقية أن الهجوم انطلق من الأراضي العراقية مسألة تختلف عن تحديد الجهة التي نفذت الهجوم أو الجهة التي تقف وراءه سياسياً.

الحكومة أعلنت أن التحقيقات الأولية أكدت انطلاق المسيّرات من موقع داخل محافظة ميسان، واتخذت إجراءات بحق قيادة عمليات ميسان وشكلت مجلساً للتحقيق. وفي الوقت نفسه، لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم، كما أن بعض الفصائل العراقية نفت مسؤوليتها عنه. لذلك، من الناحية المهنية، ينبغي عدم الانتقال من إثبات نقطة الانطلاق الجغرافية إلى استنتاج نهائي بشأن هوية المنفذين أو الجهة التي أصدرت القرار. لكن سياسياً واقتصادياً، مجرد ثبوت استخدام الأراضي العراقية كنقطة انطلاق للهجوم يمثل مشكلة كبيرة للعراق، حتى قبل معرفة الجهة المنفذة. العراق لا يستطيع أن يسمح بأن يتحول إلى ساحة تنطلق منها هجمات تستهدف البنية التحتية لدول الجوار، لأن تكلفة ذلك لن تكون أمنية فقط، وإنما ستنعكس على علاقاته الاقتصادية والاستثمارية والتجارية. العلاقة العراقية–السعودية تحديداً أصبحت خلال السنوات الأخيرة من أهم مسارات الانفتاح الاقتصادي العراقي على المحيط العربي.

حجم التبادل التجاري بين البلدين بلغ نحو 1.7 مليار دولار في 2025، مع نمو واضح في التجارة عبر منفذ عرعر، إضافة إلى وجود استثمارات وشركات سعودية في العراق. وبالتالي فإن أي توتر أمني طويل الأمد يمكن أن ينعكس على حركة التجارة، والاستثمارات، والنقل البري، وثقة المستثمرين، وليس فقط على العلاقة السياسية بين بغداد والرياض. ومن المهم هنا أن ننظر إلى المسألة من زاوية أوسع: العراق يحتاج إلى بناء علاقة اقتصادية استراتيجية مع السعودية ودول الخليج، وليس مجرد زيادة حجم التجارة.

الاقتصاد العراقي بحاجة إلى تنويع علاقاته ومصادر الاستثمار والأسواق، وبالتالي فإن تحويل الأراضي العراقية إلى مصدر للمخاطر الإقليمية سيضر بمصلحة العراق الاقتصادية على المدى الطويل. أما على مستوى أسواق النفط، فإن استمرار توقف خط شرق–غرب في هذا التوقيت قد يرفع علاوة المخاطر الجيوسياسية في أسعار النفط. الأسعار تجاوزت بالفعل حاجز 100 دولار للبرميل، ووصل خام برنت في تعاملات 14 سبتمبر إلى نحو 107–108 دولارات، في ظل تزامن الهجوم على الخط السعودي مع اضطرابات مضيق هرمز وتزايد المخاطر في باب المندب. لكن ارتفاع أسعار النفط يحمل مفارقة بالنسبة للعراق. فمن جهة، ارتفاع سعر البرميل يمكن أن يزيد الإيرادات النفطية للدولة العراقية إذا بقيت مستويات التصدير مستقرة. ومن جهة أخرى، العراق اقتصاد ريعي يعتمد على النفط في تمويل الإنفاق العام، ولذلك فإن ارتفاع الأسعار الناتج عن أزمة جيوسياسية لا يعني بالضرورة مكسباً اقتصادياً صافياً.

فإذا أدت الأزمة إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين والاستيراد، واضطراب التجارة، وارتفاع أسعار السلع والطاقة عالمياً، فإن جزءاً من المكاسب النفطية الإضافية سيُستهلك في مواجهة ارتفاع كلفة الاقتصاد.

وهناك نقطة أخرى مهمة: إذا تطورت الأزمة إلى مواجهة مباشرة بين السعودية أو دول الخليج وبين جهات مسلحة داخل العراق، فإن التكلفة الاقتصادية المحتملة على العراق ستكون أكبر بكثير من أي مكسب ناتج عن ارتفاع أسعار النفط. ارتفاع سعر النفط قد يزيد الإيرادات، لكن تراجع الاستثمار، وارتفاع كلفة التأمين والنقل، وتعطل التجارة، وزيادة المخاطر على المشاريع الأجنبية، كلها عوامل يمكن أن تفرض على الاقتصاد العراقي تكلفة طويلة الأجل.

لذلك أرى أن المصلحة الاقتصادية العراقية تقتضي أن تتعامل بغداد مع الحادثة باعتبارها قضية سيادة واقتصاد في الوقت نفسه.

حماية الأراضي العراقية من استخدامها لتنفيذ هجمات خارج الحدود ليست فقط التزاماً أمنياً أو قانونياً، وإنما هي أيضاً جزء من حماية الاقتصاد العراقي ومصالحه التجارية والاستثمارية وعلاقاته مع دول المنطقة.

وأعتقد أن الرسالة الأهم للعراق في هذه المرحلة هي أن أمن الطاقة في المنطقة أصبح مترابطاً بصورة غير مسبوقة.

العراق نفسه دولة نفطية، وبالتالي فإن استهداف البنية التحتية النفطية في أي دولة مجاورة يخلق سابقة خطيرة يمكن أن ترتد على العراق مستقبلاً. المطلوب هو الانتقال من سياسة التعامل مع الهجمات بعد وقوعها إلى بناء منظومة إقليمية لأمن الطاقة، تقوم على حماية خطوط الأنابيب والموانئ والممرات البحرية، وتقليل استخدام البنية التحتية الاقتصادية كأهداف للصراع السياسي والعسكري. وفي تقديري، فإن أخطر سيناريو للعراق ليس ارتفاع سعر النفط، وإنما أن يتحول العراق إلى جزء من معادلة الصراع الإقليمي بدلاً من أن يكون جزءاً من منظومة التجارة والطاقة والاستثمار الإقليمية.

العراق يحتاج اليوم إلى استثمار موقعه الجغرافي في الربط الاقتصادي مع الخليج وتركيا وسوريا والأردن، وليس السماح بتحويل هذا الموقع إلى مصدر للمخاطر. ولهذا فإن التعامل الحكومي السريع مع الحادثة مفهوم من زاوية احتواء الأزمة مع السعودية، لكن الأهم من الإعلان هو ما سيأتي بعده: كشف نتائج التحقيق بشفافية، تحديد المسؤولية القانونية عن التنفيذ، منع تكرار استخدام الأراضي العراقية، وإيصال رسالة واضحة إلى السعودية ودول الخليج بأن العراق يريد أن يكون شريكاً في أمن واستقرار المنطقة، وليس منصة لأي صراع إقليمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *