مكافحة الفساد مسؤولية وطنية شاملة
إن مكافحة الفساد في أي دولة هي مسؤولية وطنية شاملة، ولا يمكن حصرها في شخص رئيس الوزراء أو أي مسؤول منفرد. بل هي تكليف جماعي يقع على عاتق جميع الوزراء والأجهزة الرقابية دون استثناء.
فالتجارب العملية، والدروس المستفادة من دول العالم أجمع، تؤكد أن نجاح أي استراتيجية لمكافحة الفساد يرتبط بتضافر الجهود وتكامل الأدوار بين جميع الأطراف المعنية. ولذلك، لا يمكن لأي حكومة أن تحقق نتائج حقيقية إذا بقيت المعركة محصورة في موقع واحد أو شخص واحد.
دور الوزراء في مكافحة الفساد
فوزير المالية مسؤول عن ضبط الإنفاق العام وشفافية الموازنات. كما أن وزير النفط مسؤول عن حماية الثروة الوطنية من الهدر والتهريب. كذلك، يتحمل وزير التخطيط مسؤولية نزاهة المشاريع التنموية.
وبهذا المعنى، فإن كل وزير يحمل في حقيبته أمانة يجب أن يحاسب عليها أمام الشعب والتاريخ. فالمسؤولية الوزارية لا تعني إدارة الملفات اليومية فقط، بل تعني أيضاً حماية المال العام، ومنع التجاوزات، وضمان أن تتحول الصلاحيات إلى خدمة للدولة لا إلى باب للهدر والفساد.
الأجهزة الرقابية والخط الدفاعي الأول
كما أن الأجهزة الرقابية، من هيئة النزاهة، ومكتب المفتش العام، وديوان الرقابة المالية، وغيرها، تشكل الخط الدفاعي المتقدم في كشف الفساد ومعالجة مواطن الخلل.
وعندما تعمل هذه الأجهزة باستقلالية وكفاءة، فإنها تكون رادعاً حقيقياً للمفسدين. لكن المشكلة تكمن حين تتداخل الصلاحيات، أو تتضارب المصالح، أو تتراخى الإجراءات الرقابية. عندها، تضعف قدرة الدولة على كشف الفساد ومحاسبة المتورطين فيه.
وهنا يبرز دور رئيس الوزراء بوصفه منسقاً أعلى وراعياً للمسار الإصلاحي. لكنه ليس بديلاً عن أي وزير أو جهاز رقابي في أداء مهامه الأساسية. لذلك، فإن مكافحة الفساد لا تنجح إذا تحولت إلى عبء مركزي يتحمله رئيس الوزراء وحده.
مكافحة الفساد وثقافة الدولة المؤسسية
إن الفساد ظاهرة معقدة ومتشعبة، ولا يمكن مواجهتها بقرارات مركزية فقط. بل تحتاج إلى ثقافة مؤسسية راسخة، وقوانين رادعة، وإرادة سياسية جماعية، ومشاركة مجتمعية فاعلة.
وإلا، فإن مكافحة الفساد ستتحول إلى مجرد شعارات إعلامية تستنزف جهود رئيس الوزراء، وتحمّله فوق طاقته، بينما يبقى الآخرون في مواقعهم متفرجين أو متحججين بالصلاحيات المحدودة.
ومن هنا، فإن ترسيخ المسؤولية الجماعية يصبح شرطاً أساسياً لأي إصلاح حقيقي. فالدولة التي توزع الصلاحيات يجب أن توزع معها المسؤوليات أيضاً، حتى لا يتحول الفشل إلى مسؤولية فردية، بينما يبقى التقصير المؤسسي بلا حساب.
المحاسبة الصارمة والشفافية العلنية
إن العدالة في توزيع المسؤوليات تقتضي أن تكون هناك محاسبة صارمة لكل مقصر، مهما كان موقعه. كما تقتضي أن تعلن التقارير الرقابية علناً، وأن تُتخذ على أساسها إجراءات جادة لا مجرد وعود.
كذلك، يجب أن يشعر المواطن العادي بأن هناك رقابة حقيقية على كل صرفية، وكل صفقة، وكل قرار إداري. فثقة المواطن لا تُبنى بالتصريحات، بل تُبنى عندما يرى أن القانون يتحرك فعلاً، وأن المال العام لم يعد متروكاً بلا حماية.
ولهذا، فإن مكافحة الفساد ليست معركة شخصية يخوضها رئيس الوزراء بمفرده. وإنما هي مشروع وطني متكامل يستوجب وقوف الجميع صفاً واحداً، من الحكومة إلى الأجهزة الرقابية، ومن المؤسسات إلى المجتمع.
المسؤولية الجماعية وبناء دولة القانون
كلما تمكنت الدولة من ترسيخ مبدأ المسؤولية الجماعية في مكافحة الفساد، زادت فرصها في بناء دولة القانون والمؤسسات. فهذه الدولة هي التي تحقق العدالة، وتستعيد ثقة الشعب، وتضع حداً لنهب المال العام.
وهذا يتطلب تغييراً جذرياً في الثقافة الإدارية، بحيث لا يبقى رئيس الوزراء هو المستهدف الوحيد في حال حدوث أي فساد. بل يجب أن يكون الوزراء والأجهزة الرقابية شركاء حقيقيين في النجاح أو الفشل.
كما يجب أن يفهم الجميع أن حماية المال العام واجب ديني وأخلاقي وقانوني. فمكافحة الفساد لا تكتمل بالشعارات، ولا تقوم على شخص واحد، بل تنهض عندما تتحول إلى مسؤولية جماعية تمارسها الدولة بكل مؤسساتها، ويحرسها المجتمع بوعيه ورقابته وثقته بالقانون.


