٦،٧ تريليون دينار عجزاً في ٤ أشهر الخزينة تحت الضغط والرواتب تبتلع معظم الإيرادات

عجز ٦،٧ تريليون دينار وضغط الرواتب على الخزينة العراقية
يناقش المقال دلالات عجز ٦،٧ تريليون دينار في مالية العراق خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام ٢٠٢٦، ويركز على ضغط الرواتب، وضعف الإيرادات غير النفطية، والحاجة إلى إصلاح إدارة المال العام دون تحميل المواطن كلفة الأزمة...

عجز ٦،٧ تريليون دينار وسؤال الخزينة العراقية

عجز ٦،٧ تريليون دينار خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام ٢٠٢٦ يضع الخزينة العراقية أمام اختبار مالي حساس، ويعيد طرح السؤال الأهم: هل تكفي أموال الدولة حتى نهاية العام، أم أن العراق يواجه أزمة إدارة مالية قبل أن يواجه أزمة رواتب؟

مع نهاية الأشهر الأربعة الأولى من عام ٢٠٢٦، تكشف الأرقام المالية عن واحدة من أهم الإشارات التحذيرية التي تستوجب الوقوف عندها بجدية. فقد بلغت إيرادات العراق العامة نحو ٣١،١ تريليون دينار، مقابل نفقات وصلت إلى ٣٧،٨ تريليون دينار، ما أسفر عن عجز فعلي مقداره ٦،٧ تريليون دينار خلال مدة لا تتجاوز ثلث السنة تقريباً.

هذه الأرقام لا تعني بالضرورة أن الدولة تقف على أعتاب العجز عن دفع الرواتب،

لكنها تؤكد أن المالية العامة أصبحت أكثر حساسية تجاه أي انخفاض إضافي في أسعار النفط أو أي اضطراب في الصادرات النفطية،

خصوصاً أن النفط ما زال يشكل العمود الفقري للإيرادات الحكومية.

الرواتب تبتلع معظم الإنفاق العام

عند تفكيك الأرقام، يتضح أن من أصل ٣٧،٨ تريليون دينار أنفقتها الدولة خلال الأشهر الأربعة الأولى،

ذهبت ٣٦،٤ تريليون دينار إلى النفقات الجارية، أي ما يعادل أكثر من ٩٦% من إجمالي الإنفاق.

أما الرواتب والأجور وحدها، فقد استحوذت على ٢٩،٦ تريليون دينار،

وهو ما يمثل نحو ٧٨% من إجمالي الإنفاق العام، وأكثر من ٨١% من النفقات الجارية.

وهذه النسبة تكشف أن الموازنة العراقية تتحرك ضمن مساحة مالية ضيقة للغاية،

حيث تذهب معظم الموارد إلى التزامات شهرية ثابتة،

بينما تبقى المساحة المخصصة للاستثمار والتنمية والمشاريع المنتجة محدودة جداً.

الإيرادات غير النفطية لا تزال محدودة

في المقابل، لم تتجاوز الإيرادات غير النفطية ٥،٠٤ تريليونات دينار من أصل نحو ٣١،١ تريليون دينار من الإيرادات الكلية،

أي أن مساهمة الإيرادات غير النفطية ما تزال تدور حول ١٦% فقط.

وهذا يعني أن الخزينة العامة لا تزال تعتمد بصورة شبه كاملة على النفط لتأمين القسم الأكبر من مواردها المالية.

فكل انخفاض في أسعار النفط، أو تراجع في حجم الصادرات، ينعكس مباشرة على قدرة الدولة على تمويل التزاماتها.

هذه المؤشرات تكشف بوضوح أن المشكلة الحقيقية ليست في حجم الرواتب بحد ذاته فقط،

بل في هيكل الاقتصاد الذي ما زال يعتمد على مورد واحد متذبذب بطبيعته.

أزمة رواتب أم أزمة إدارة مالية؟

السؤال المطروح اليوم ليس: هل ستتوقف الرواتب غداً؟ بل: هل تستطيع الدولة الاستمرار بهذا النمط المالي دون إصلاح حقيقي؟
فمن الناحية العملية، لا يبدو أن رواتب الموظفين تواجه خطراً مباشراً خلال المدى القريب، لأن الدولة ما زالت تمتلك أدوات متعددة لإدارة السيولة.

تستطيع الحكومة استخدام الاحتياطيات المالية، وإعادة جدولة بعض النفقات الاستثمارية،

وإدارة التدفقات النقدية بين الأشهر، وتأجيل بعض الالتزامات غير العاجلة.

لكن استمرار العجز لفترة طويلة دون إصلاحات هيكلية سيؤدي تدريجياً إلى تضييق مساحة المناورة المالية وزيادة الضغط على الخزينة العامة.

ومن هنا، فإن العراق لا يواجه اليوم أزمة رواتب مباشرة بقدر ما يواجه أزمة إدارة مالية وهيكل إنفاق غير متوازن.

العجز السنوي قد يقترب من ٢٠ تريليون دينار

لو افترضنا استمرار العجز الحالي بالمعدل نفسه حتى نهاية السنة،

فإن العجز السنوي قد يقترب من ٢٠ تريليون دينار. غير أن هذا الرقم يبقى تقديراً نظرياً،

لأن النفقات والإيرادات النفطية تتغير شهرياً تبعاً لأسعار النفط العالمية ومستويات التصدير والإنفاق الحكومي.

مع ذلك، فإن مجرد ظهور هذا المسار في الأشهر الأولى من السنة يكفي لإطلاق إنذار مبكر.

فالمالية العامة في العراق لا تتحمل تراكم العجز دون معالجة، خصوصاً إذا بقيت النفقات الجارية مرتفعة،

وبقيت الإيرادات غير النفطية محدودة، وبقي الاقتصاد الحقيقي ضعيف الإنتاج.

لماذا لا يبدأ الحل من جيب المواطن؟

إدارة الأزمة لا ينبغي أن تبدأ من جيب المواطن.

فتحميل الموظف أو المتقاعد أو أصحاب الدخل المحدود أعباءً إضافية لن يعالج أصل المشكلة، بل قد يزيدها تعقيداً.

التجارب الاقتصادية تؤكد أن الحلول التقشفية التي تستهدف القدرة الشرائية للمواطن غالباً ما تؤدي إلى انكماش اقتصادي،

وتراجع النشاط التجاري، وتآكل الإيرادات الحكومية نفسها. فعندما تنخفض قدرة الناس على الشراء،

تتراجع الأسواق، وتضعف أرباح الشركات، وتنخفض الجباية، ويتسع الركود.

لذلك، فإن أي معالجة مالية جادة يجب أن تميز بين ضبط الهدر وترشيد الإنفاق من جهة،

وبين تحميل الفئات الهشة كلفة الأزمة من جهة أخرى.

تعظيم الإيرادات غير النفطية

الحل الأكثر واقعية يبدأ من تعظيم الإيرادات غير النفطية عبر إصلاح النظام الضريبي والكمركي،

وإغلاق منافذ التهرب، وتوسيع الأتمتة الإلكترونية للجباية، وإعادة النظر في ملف الإعفاءات والاستثناءات التي تستنزف موارد الدولة.

فالعراق لا يحتاج بالضرورة إلى فرض ضرائب جديدة على المواطنين قبل أن يغلق أبواب الهدر والتهرب والفساد في الجباية والمنافذ الحدودية.

وتشير تقديرات العديد من الخبراء إلى أن معالجة الهدر في المنافذ الحدودية والجباية الضريبية يمكن أن تضيف عدة تريليونات من الدنانير سنوياً إلى الخزينة.

وهذا المسار أكثر عدالة من تحميل أصحاب الدخل المحدود كلفة العجز،

لأنه يستهدف مناطق الخلل الحقيقي في التحصيل والرقابة والإدارة.

من الإنفاق الاستهلاكي إلى الإنفاق المنتج

في الوقت نفسه، يصبح من الضروري الانتقال من سياسة الإنفاق الاستهلاكي إلى سياسة الإنفاق المنتج.

فالموازنة التي تذهب معظم مواردها إلى الرواتب والنفقات الجارية لا تستطيع بناء اقتصاد قادر على خلق موارد مستدامة.

ينبغي توجيه جزء أكبر من الموارد نحو القطاعات الصناعية والزراعية والخدمية القادرة على خلق قيمة مضافة،

وفرص عمل، وإيرادات دائمة. فالعراق لا يعاني من نقص الموارد بقدر ما يعاني من ضعف استثمارها وتوظيفها اقتصادياً.

كل دينار يذهب إلى مشروع منتج يمكن أن يخلق دخلاً وفرصة عمل وضريبة مستقبلية.

أما الدينار الذي يذهب إلى الهدر أو الإنفاق غير المنتج، فإنه يوسع العجز ويضعف قدرة الدولة على مواجهة الصدمات.

الفساد والهدر واستنزاف الموارد العامة

يبقى ملف الهدر والفساد المالي والإداري العامل الأكثر تأثيراً في استنزاف الموارد العامة.

فكل دينار يتم توفيره من خلال الحوكمة الرشيدة والرقابة الفاعلة يعادل ديناراً إضافياً لا تحتاج الدولة إلى اقتراضه أو تحميله للمواطن.

ولا يمكن إصلاح المالية العامة من دون إصلاح منظومة الإنفاق العام. فالعجز لا ينتج فقط عن ضعف الإيرادات،

بل ينتج أيضاً عن سوء توجيه الموارد، وتعثر المشاريع، وتضخم العقود، وضعف الرقابة، وتكرار الإنفاق غير المنتج.

لذلك، فإن ضبط الهدر ليس إجراءً إدارياً ثانوياً، بل هو جزء أساسي من الأمن المالي للدولة.

النفط وحده لا يكفي لحماية الموازنة

تكشف الأرقام الحالية أن اعتماد العراق على النفط وحده يجعل الموازنة العامة رهينة لعوامل خارجية لا تتحكم بها الدولة بالكامل.

فأسعار النفط تحددها الأسواق العالمية، وحجم الصادرات قد يتأثر بالعوامل الفنية والسياسية والأمنية واللوجستية.

وفي المقابل، تبقى الالتزامات الشهرية للرواتب والتقاعد والرعاية الاجتماعية ثابتة،

ولا يمكن تأجيلها أو تخفيضها بسهولة. وهذا يعني أن أي هزة في الإيرادات النفطية تنتقل بسرعة إلى الخزينة، بينما يصعب تخفيض النفقات بالسرعة نفسها.

من هنا، لا يمكن بناء استقرار مالي طويل الأمد ما لم ينجح العراق في تنويع مصادر الدخل وتوسيع الاقتصاد الحقيقي.

اختبار حقيقي للإدارة المالية

إن قراءة الأرقام الحالية تقود إلى استنتاج مهم:

العراق لا يواجه اليوم أزمة رواتب مباشرة بقدر ما يواجه اختباراً حقيقياً لقدرة الإدارة المالية على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية.

إذا نجحت الحكومة في رفع الإيرادات غير النفطية، وتقليص الهدر، وتنشيط الاقتصاد الحقيقي،

فإن العجز الحالي يمكن احتواؤه دون المساس بالاستقرار الاجتماعي أو القوة الشرائية للمواطن.

أما إذا استمرت البنية الاقتصادية الحالية المعتمدة على النفط وحده،

فإن كل أزمة نفطية مستقبلية ستعيد إنتاج المشهد ذاته، ليبقى العجز المالي عنواناً متكرراً في الموازنة العامة، مهما ارتفعت الإيرادات النفطية مؤقتاً.

خاتمة: الخزينة تحت الضغط والإصلاح لم يعد مؤجلاً

في المحصلة، يكشف عجز ٦،٧ تريليون دينار خلال أربعة أشهر أن الخزينة العراقية تحت ضغط حقيقي،

لا بسبب الرواتب وحدها، بل بسبب هيكل مالي يعتمد على النفط، ونفقات جارية ضخمة، وإيرادات غير نفطية محدودة، وهدر إداري ومالي مستمر.

لا تكمن المعالجة في تخويف الموظفين والمتقاعدين، ولا في تحميل المواطن كلفة الاختلال المالي،

بل في إصلاح إدارة المال العام، وتعظيم الإيرادات غير النفطية، وضبط المنافذ والجباية، وتحويل الإنفاق من الاستهلاك إلى الإنتاج.

فالعراق لا يحتاج فقط إلى أموال تكفي حتى نهاية العام، بل يحتاج إلى نموذج مالي يمنع تكرار السؤال نفسه كل عام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *