بيع أصول الدولة بين وهم الإصلاح وخطر التفريط بالثروة العامة

بيع أصول الدولة في العراق وخطر التفريط بالثروة العامة
بيع أصول الدولة لمعالجة العجز المالي قد يبدو حلاً سريعاً، لكنه لا يعالج أصل الأزمة إذا بقي الفساد وسوء الإدارة قائمين، بل قد يهدد الثروة العامة وحقوق الأجيال القادمة...

قراءة في تداعيات قرار بيع أصول الدولة على الاقتصاد العراقي والمواطن

إن الاتجاه نحو بيع أصول الدولة لمعالجة الاختلالات المالية أو سد العجز في الموازنة يمثل أحد أكثر القرارات الاقتصادية إثارة للجدل، خصوصاً في الدول الريعية التي تعاني من ضعف الإدارة العامة وانتشار الفساد المؤسسي.

وفي الحالة العراقية، يثير هذا التوجه تساؤلات جوهرية حول جدواه الاقتصادية والقانونية، وما إذا كان يمثل إصلاحاً حقيقياً، أم مجرد محاولة لمعالجة نتائج الإخفاقات السابقة على حساب الأجيال القادمة.

أصل المشكلة ليس في الأصول بل في الإدارة

من الناحية الاقتصادية، لا يمكن اعتبار بيع أصول الدولة حلاً للمشكلة المالية إذا بقيت أسباب الأزمة قائمة.

فالعراق، خلال السنوات الماضية، حقق إيرادات نفطية تجاوزت مئات المليارات من الدولارات، إلا أن معظمها ذهب إلى الإنفاق التشغيلي، والرواتب، والدعم، والاستهلاك، من دون بناء قاعدة إنتاجية مستدامة.

وعليه، فإن السؤال الحقيقي ليس: كم نبيع من أصول الدولة؟ بل: أين ذهبت الموارد السابقة؟ ولماذا لم تتحول إلى مشاريع إنتاجية؟

فإذا كانت المشكلة ناتجة عن سوء الإدارة، والفساد، وضعف التخطيط، فإن بيع الأصول لن يعالج السبب، بل سيؤدي إلى فقدان أدوات التنمية المستقبلية.

بيع الأصول ليس مورداً دائماً

يفرق الاقتصاد بين الإيراد المتكرر والإيراد الاستثنائي. فبيع العقارات أو الأراضي أو الشركات العامة يحقق إيراداً لمرة واحدة فقط، أما النفقات الحكومية فتتكرر سنوياً.

وبالتالي، فإن بيع أصل يدر دخلاً مستقبلياً من أجل تغطية عجز مؤقت، يشبه بيع منزل الأسرة لتغطية مصروف شهر واحد. وبعد نفاد ثمن البيع، تعود الأزمة من جديد، ولكن مع خسارة الأصل.

وقد حذرت مؤسسات دولية عديدة من استخدام الخصخصة أو بيع الأصول كأداة لتمويل النفقات التشغيلية، لأنها تؤدي إلى استنزاف الثروة الوطنية من دون معالجة الخلل الهيكلي.

التجارب الدولية تحذر من الخصخصة غير المنضبطة

شهدت دول عديدة برامج واسعة لبيع الأصول العامة. وفي بعض دول أمريكا اللاتينية وشرق أوروبا، أدت عمليات الخصخصة غير المنضبطة إلى انتقال الثروة العامة إلى فئات محدودة، واحتكار الأسواق، وارتفاع البطالة، وتراجع الخدمات، وزيادة الفجوة بين الطبقات الاجتماعية.

أما الدول التي نجحت في إدارة الأصول الحكومية، مثل سنغافورة والنرويج، فلم تعتمد على البيع الشامل للأصول، بل على تعظيم استثمارها وتحويلها إلى مصادر دخل مستدامة.

وهنا يتضح الفرق بين إدارة الأصول بوصفها ثروة وطنية قابلة للتنمية، وبين بيعها كحل سريع لأزمة مالية متكررة.

البيئة العراقية لا تزال عالية المخاطر

أي عملية لبيع أصول الدولة تحتاج إلى قواعد شفافة للتقييم، ومنافسة عادلة، ورقابة قضائية ومالية مستقلة، وسوق استثمارية ناضجة، وقاعدة بيانات وطنية دقيقة للأصول.

وفي ظل استمرار ملفات الفساد، والنزاعات العقارية، وضعف الحوكمة في العديد من المؤسسات، تزداد المخاوف من انتقال الأصول العامة إلى جهات محددة بأقل من قيمتها الحقيقية.

وهنا تتحول الخصخصة من أداة إصلاح إلى وسيلة لنقل الثروة العامة إلى القطاع الخاص من دون مقابل عادل.

لماذا يدفع المواطن ثمن أخطاء الحكومات السابقة؟

إن منطق العدالة الاقتصادية يفرض تحميل المسؤولية لمن تسبب بالهدر والإخفاق.

فالمدير العام الذي أخفق، والوكيل الذي أهدر الموارد، والمستشار الذي قدم قرارات خاطئة، والجهة الرقابية التي لم تمارس دورها، هم من يفترض مساءلتهم قانونياً وإدارياً.

أما بيع أصول الدولة، فيعني عملياً تحميل المجتمع كله نتائج أخطاء فئة محدودة من متخذي القرار.

وهذا يخلق سابقة خطيرة مفادها أن الفشل الإداري يمكن تغطيته ببيع ممتلكات الشعب.

الأثر المتوقع على المواطن

إذا تم بيع الأصول دون رؤية تنموية واضحة، فقد تظهر عدة آثار مباشرة وغير مباشرة على المواطن والاقتصاد، من أبرزها:

  1. ارتفاع أسعار الخدمات مستقبلاً.
  2. زيادة الاحتكار في بعض القطاعات.
  3. فقدان فرص عمل مرتبطة بالمشاريع العامة.
  4. تراجع قدرة الدولة على التدخل الاقتصادي.
  5. انتقال الثروة العامة إلى أيدٍ قليلة.
  6. تقليص الموارد المتاحة للأجيال القادمة.

وهذه النتائج تنعكس بصورة مباشرة على القوة الشرائية، ومستوى المعيشة، والاستقرار الاجتماعي.

الأصول العامة جزء من الثروة الوطنية

الأصول العامة ليست مجرد ممتلكات مالية، بل تمثل جزءاً من الثروة الوطنية التي تخضع لمبدأ حماية المال العام.

وأي تصرف فيها يجب أن يحقق المنفعة العامة، والشفافية، والعدالة، والكفاءة الاقتصادية.

كما أن مبدأ حماية المال العام يقتضي أن تكون عملية التصرف بالأصول آخر الحلول لا أولها، وذلك بعد استنفاد بدائل الإصلاح الإداري، واسترداد الأموال المهدورة، وتعظيم الإيرادات غير النفطية.

البديل الحقيقي عن بيع أصول الدولة

بدلاً من بيع أصول الدولة، يمكن للحكومة أن تتجه إلى بدائل أكثر نفعاً واستدامة، من بينها:

  • استثمار الأراضي غير المستغلة.
  • إنشاء صناديق سيادية وطنية.
  • تحويل الشركات الخاسرة إلى شركات رابحة عبر الشراكة الاستثمارية.
  • مكافحة التهرب الضريبي والكمركي.
  • استرداد الأموال المنهوبة.
  • إعادة هيكلة الإنفاق الحكومي.
  • تقييم أداء القيادات الإدارية ومحاسبة المقصرين.

فهذه الإجراءات تعالج المرض بدلاً من بيع جزء من جسد الدولة.

الخاتمة

إذا استمرت القيادات نفسها، وأدوات الإدارة نفسها، والعقلية نفسها التي أنتجت الإخفاقات السابقة، فإن بيع أصول الدولة لن يكون إصلاحاً اقتصادياً، بل تأجيلاً للأزمة ونقلاً لكلفتها إلى الأجيال القادمة.

فالاقتصاد يعلمنا أن الأصول المباعة لا تعود، لكن العجز يعود دائماً إذا بقيت أسبابه قائمة.

ولهذا، فإن أخطر ما في القرار ليس بيع العقار أو الشركة أو الأرض، بل ترسيخ فكرة أن الفشل الإداري يمكن معالجته بالتفريط بالثروة الوطنية.

فبقاء المدخلات نفسها يجعل انتظار مخرجات مختلفة نوعاً من الوهم الإداري والاقتصادي، ويؤكد صحة المقولة الخالدة: «المجرّب لا يُجرّب».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *