لطالما حاولت الماكينة الإعلامية الإسرائيلية إخفاء الحقائق وحجب الخسائر، تطبيقاً للمثل القائل: «محاولة حجب الشمس بغربال».
فكلما تصاعدت الوقائع على الأرض، ازدادت محاولات التعتيم والتضليل،
خصوصاً حين يتعلق الأمر بخسائر عسكرية أو ضربات تمس صورة المؤسسة الأمنية والعسكرية داخل الكيان.
خلال الفترة الماضية، تابع الجميع كيف ضجّ الإعلام الإسرائيلي الرسمي بتصريحات متكررة للمتحدثين باسم جيش الاحتلال،
الذين أكدوا بصورة قاطعة أن الهجمات الجوية الإيرانية الأخيرة لم تحقق أياً من أهدافها،
وأن الصواريخ والطائرات المسيّرة سقطت بالكامل في مناطق مفتوحة، من دون وقوع خسائر تُذكر.
كان هذا الخطاب موجهاً، بالدرجة الأولى، إلى تخدير الجبهة الداخلية،
ومحاولة حفظ ماء وجه المؤسسة العسكرية أمام المجتمع الدولي، وإظهارها بمظهر القادر على السيطرة والاحتواء.
إلا أن الرواية لم تتوقف عند هذا الحد، فمع مرور الوقت تكشفت الحقائق،
وانفضحت الخدعة، وجاءت الصدمة هذه المرة من داخل البيت الصهيوني نفسه.
اعترافات من داخل الصحافة العبرية
خرجت صحيفتان من كبريات الصحف العبرية وأكثرها تأثيراً، وهما «يديعوت أحرونوت» و«جيروزاليم بوست»،
لتكشفتا جانباً من مرارة الاعتراف بما وصفته الأوساط الإسرائيلية بـ«المصيبة».
فقد نشرت الصحيفتان تقارير مفصلة تستند إلى صور أقمار صناعية التُقطت بعد 48 ساعة فقط من الهجوم الإيراني،
تؤكد وقوع دمار هائل وتدمير فعلي لحظائر طيران بالكامل داخل قاعدة رامات ديفيد الجوية.
وهنا لم يعد الحديث يدور حول تسريبات هامشية أو روايات خارجية،
بل حول اعترافات صادرة عن صحافة عبرية مؤثرة، ما يمنح هذه المعلومات وزناً سياسياً وإعلامياً أكبر،
ويكشف حجم الارتباك داخل الرواية الرسمية التي حاولت طويلاً التقليل من أثر الهجوم.
لماذا استُهدفت قاعدة رامات ديفيد تحديداً؟
إذا ربطنا الخيوط ببعضها، نجد أن قاعدة رامات ديفيد ليست منشأة عسكرية عادية،
بل تُعد منطلقاً رئيسياً وركيزة أساسية تعتمد عليها المقاتلات الإسرائيلية في شن غاراتها المستمرة على لبنان،
واستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت بصورة شبه يومية.
ومن هذا المنطلق، كانت القاعدة هدفاً استراتيجياً مباشراً ومدروساً للضربة الإيرانية.
وحين نعود إلى البيان الرسمي الصادر عن الحرس الثوري الإيراني آنذاك،
نجد أنه نصّ بدقة على «استهداف مواقع انطلاق الطيران الإسرائيلي الذي قصف الضاحية الجنوبية».
هذا التطابق بين البيان الإيراني وما كشفته الصحافة الإسرائيلية لاحقاً يؤكد،
وفق سياق الوقائع المطروحة، أن الرواية الإيرانية كانت دقيقة،
وأن ما حاولت الرقابة العسكرية الإسرائيلية إخفاءه عاد ليظهر من داخل الإعلام العبري نفسه.
أين كانت الرقابة العسكرية الإسرائيلية؟
هنا يكمن السؤال الأهم: أين كانت الرقابة العسكرية الإسرائيلية؟
فمن المعلوم أن سلطة الرقابة العسكرية داخل الكيان تفرض قبضة صارمة على وسائل الإعلام،
وتمنع نشر أي معلومة قد تمس الأمن القومي أو تكشف الخسائر البشرية والمادية، خوفاً من انهيار الروح المعنوية للجبهة الداخلية.
فكيف تجرأت «يديعوت أحرونوت» و«جيروزاليم بوست» على كشف هذه الفضيحة المدوية،
خصوصاً أن القاعدة المستهدفة تضم أسراباً من مقاتلات الجيل الرابع المتقدمة من طراز F-16؟
إن التحليل المنطقي لهذا الخرق الرقابي يشير إلى وجود انقسام عميق وخلافات حادة تعصف بأجنحة الحكم داخل الكيان.
فهناك صراع حقيقي يدور خلف الكواليس بين المستويين السياسي والعسكري حول جدوى الاستمرار في حروب مفتوحة ومتعددة الجبهات،
إلى جانب اختلاف جذري حول مستقبل هذه المعارك وآثارها الوجودية والكارثية على إسرائيل.
منعطف جديد في الصراع الإعلامي والسياسي
في السابق، كان الاعتماد غالباً على الصحف الأجنبية ووسائل الإعلام الدولية،
أو على المراسلين الميدانيين وشهود العيان والمحللين الاستخباراتيين، عبر برامج تقصي الحقائق،
لمعرفة حجم الخسائر الفعلي داخل إسرائيل.
أما هذه المرة، فالأمر مختلف تماماً. فالاعتراف جاء من داخل البيت نفسه،
والصحافة العبرية ذاتها هي التي بدأت تنبش وتبحث وتكشف زيف الرواية الحكومية.
وهذا يشكل تحولاً جديداً ومثيراً في مسار الصراع الإعلامي والسياسي،
لأنه ينقل الأزمة من مستوى الإنكار الخارجي إلى مستوى الانكشاف الداخلي.
فالخطر الأكبر على أي رواية رسمية لا يأتي دائماً من خصومها في الخارج،
بل من التناقضات التي تنفجر داخلها، ومن عجزها عن مواصلة إخفاء الوقائع عندما تصبح الأدلة أكبر من قدرة الرقابة على الحجب.
زلزال استراتيجي وهجرة الطيران الحربي
يثبت هذا الاعتراف حقيقة استراتيجية مهمة، وهي أن إيران تمكنت، بالدليل العملي،
من إثبات قدرتها على الوصول إلى السلاح الاستراتيجي والأكثر تحصيناً لدى الكيان وإلحاق الضرر به.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل إن هذه الضربات أجبرت الاحتلال على اتخاذ خطوات غير مسبوقة،
تمثلت في نقل أجزاء واسعة من سلاحه الجوي إلى قواعد في دول أجنبية لحمايتها من القصف،
كما حدث في حرب الأربعين يوماً الماضية،
حين انتقل معظم الطيران الإسرائيلي إلى قواعد في قبرص ودول أوروبية أخرى، أُشير إلى أنها اليونان وألمانيا.
هذا التحول لا يكشف فقط عن حجم القلق العسكري،
بل يعكس أيضاً تراجع الثقة بقدرة القواعد الداخلية على توفير الحماية الكافية أمام الضربات الدقيقة،
الأمر الذي يفتح الباب أمام أسئلة أعمق حول مستقبل التفوق الجوي الإسرائيلي،
وحول قدرة المؤسسة العسكرية على الحفاظ على قواعدها ومنشآتها الحيوية في أي مواجهة مقبلة.
رأس جبل الجليد
في الختام، يبقى ما كُشف عنه في قاعدة رامات ديفيد مجرد رأس جبل الجليد،
وجزءاً بسيطاً مما سُمح بتسريبه من حجم الخسائر الحقيقية التي وقعت، والتي لا تزال الرقابة العسكرية تفرض عليها جداراً سميكاً من التكتم والسرية.
غير أن الأيام المقبلة قد تكون كفيلة بإماطة اللثام عن خسائر أكبر، لتثبت مجدداً أن حبل الكذب قصير جداً، وأن الحقائق، مهما حاولت الرقابة حجبها، تجد طريقها إلى العلن عندما تتراكم الأدلة وتتكاثر الاعترافات من داخل البيت نفسه.


