الهيبة الأمريكية والفخ الإيراني
هكذا ارتمى ترامب في الفخ الإيراني وسحق الهيبة الأمريكية.
لم يكن ما حدث في مياه الخليج وصحاري الشرق الأوسط مجرد مواجهة عسكرية عابرة.
ولم يكن جولة خاطفة من فرض النفوذ.بل كان زلزالاً جيوستراتيجياً مدوياً.وقد أطاح هذا الزلزال بعرش الهيبة الأمريكية.كما سحق كبرياءها في ساعات معدودة.
الحقيقة المؤكدة التي لا مريا فيها هي أن العدوان على إيران لم يتوقف.ولن يتوقف.فلا هدنة حقيقية أُبرمت.ولا وقف شامل لإطلاق النار قد أُعلن.
ولا سلام يلوح في الأفق.بل إن كل ما جرى لا يعدو كونه حبساً للأنفاس.كما لا يعدو كونه التقاطاً لمشهد انكسار مذلول داخل أروقة البنتاغون.
فهناك تقف قيادة العسكريين مصدومة ومتفاجئة.وتحاول استيعاب حجم الكارثة.وقد فاقت هذه الكارثة في سرعتها ومرارتها سيناريو الهزيمة التاريخية النكراء في فيتنام.
الدولة العميقة وصدمة الهيبة الأمريكية
لقد استيقظت «الدولة العميقة» في واشنطن على وقع صدمة عاتية.
كما استيقظت على هزيمة استخباراتية غير مسبوقة.فتدخلت فوراً.وفرضت كبحاً مفاجئاً لآلة الحرب المتهورة.
وضغطت بكل ثقلها على دونالد ترامب ووزير دفاعه بيت هيغسيث.وكان الهدف وقف الهجوم مؤقتاً.
كما كان الهدف دراسة ما حدث.وجاء ذلك في محاولة يائسة لمعرفة كيف وقعت هذه الفضيحة التاريخية.واليوم تصب الصحافة الأمريكية جام غضبها وسخطها على البيت الأبيض.
وتصف ترامب وهيغسيث بالمسؤولين الأوائل عن هذه المغامرة العائلية المجنونة.إذ قادت الحسابات الخاطئة والمعلومات المضللة التي غص بها المكتب البيضاوي إلى إشعال فتيل الحرب.
وقد جرى ذلك بمزاج ترامب المطلق.فقد توهم بعنجهيته القدرة على إخضاع طهران وسحقها.وتصور أن الأمر سيكون بسيناريو مكرر لما جرى في فنزويلا.فيما ساهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في تغذيته بأوهام النصر التشجيعية.
كما ساهم في تضليله أكثر فأكثر.
الكابوس الرباعي وسقوط الهيبة الأمريكية
تاريخياً، ركض جميع الرؤساء الأمريكيين السابقين بعيداً عن خيار المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران.
فقد كانوا يدركون خطوط النيران التي لا يمكن إطفاؤها.
كما كانوا يدركون النتائج الكارثية التي ستعصف بأمريكا.لكن ترامب كسر قواعد الحذر.وبذلك تحقق الكابوس الرباعي شاملاً دفعة واحدة.
أولاً: فرضت إيران سيطرة فولاذية على مضيق هرمز.ونجحت في خنق شريان الاقتصاد العالمي.
ثانياً: انطلقت مطرقة الصواريخ والمسيرات الإيرانية.ودكت دول الخليج وحلفاء واشنطن.
كما تسببت في إضعافهم وشل حركتهم.ثالثاً: تحولت كل القواعد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط إلى أهداف هشة ومستباحة.
وهذا جعل المصالح الأمريكية في غرب آسيا مهددة بالزوال.رابعاً: دخل السلاح والمال الأمريكيان في نزيف خيالي وغير مسبوق.
وقد أدى ذلك إلى تجريد واشنطن من قوتها.كما أدى إلى إضعافها أمام القوى العظمى الأخرى، كالصين وروسيا.
نتنياهو وغراب الشؤم
في هذه اللحظات الفاصلة، يحط نتنياهو رحاله في واشنطن.ويسعى إلى تقوية اللوبي الصهيوني.
كما يدفع ترامب نحو مواصلة الحرب.غير أن الصحافة الأمريكية تستقبله اليوم كـ«غراب شؤم».وتراه نذير كارثة تسبب في واحدة من أكبر فضائح أمريكا العسكرية.
وبينما يواصل ترامب التخبط، يمني نفسه بأي مكسب.ويريد بهذا المكسب حفظ ماء الوجه قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.
لكن الواقع الحاسم يبقى واضحاً.لقد ارتمت واشنطن في نفق الاستنزاف المظلم.وبات الجبروت الأمريكي أثراً بعد عين.
وهكذا تحولت الهيبة الأمريكية من عنوان قوة إلى مشهد انكسار سياسي وعسكري.


