شرطي الخليج.. والاتفاقات الإبراهيمية

شرطي الخليج.. والاتفاقات الإبراهيمية
تشهد منطقة الخليج تحولات استراتيجية عميقة تتمحور حول مضيق هرمز وأمن الطاقة، وسط تنافس أمريكي وإيراني ودولي متصاعد، مع احتمالات لإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية وترتيبات الأمن البحري بما يعيد رسم ملامح الشرق الأوسط المقبل...

لم تكن تدوينة  الرئيس دونالد ترامب عن دعوة دول الخليج العربية للدخول في الاتفاقات الإبراهيمية، واعتبار موافقة إيران على ذلك أمرا رائعا، مجرد سقطة من ذلك الصخب الذي اعتاد عليه الجمهور المتلقي لتصريحات ترامب، بل بدت أقرب إلى الإعلان المبكر عن ملامح الشرق الأوسط الجديد.

ليس في الأمر نظرية مؤامرة، ولا فرضيات جدلية مفتوحة على الخيال السياسي، فالحديث الجماعي مع رؤساء باكستان وتركيا والسعودية وقطر والإمارات والبحرين، كان واضح المعالم، ومعبر عن ذات المنهجية الاستراتيجية الأمريكية في ضمان حماية الممرات البحرية واستمرار تدفق الإمدادات النفطية.

هكذا اعتمدت واشنطن، بعد هزيمة فيتنام، ما عرف بسياسة العمودين: شاه إيران بوصفه شرطي الخليج، والبترودولار السعودي بوصفه الضامن الاقتصادي لاستمرار النفوذ الأمريكي وحماية أحد أهم مقومات أمنه القومي.

اليوم، تبدو الصورة مختلفة تماما. فالحرس الثوري الإيراني يقبض على مضيق هرمز، ويجعل من قواته الحارس الفعلي لهذا الممر البحري الحساس، يحدد من يمر ومن لا يمر.. يبرز السؤال الأخطر: كيف يمكن للسفن الحربية الأمريكية الوصول إلى قواعدها الأساسية في الكويت والبحرين وقطر والإمارات، إذا تحول المضيق إلى ورقة ضغط دائمة بيد الحرس الثوري؟

هذا السؤال بدا غائبا عن غرفة العمليات الحربية في إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، لأن الأعمال العسكرية حتى هذه اللحظة لم تنعكس فعليا على جوهر طاولة المفاوضات النووية، ولا على ملف هرمز نفسه.

الأهم من ذلك أن الحرب كشفت حقيقة شديدة الحساسية: القرار المرتبط بالمضيق وبأدوات الضغط الاستراتيجية ما زال بيد الحرس الثوري، وليس بيد الدولة الإيرانية الناعمة، ولا بيد رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان، ولا حتى وزير الخارجية عباس عراقجي.

لذلك، تبدو الأشهر المقبلة مفتوحة على عدة سيناريوهات ضمن هدنة هشة، من دون قرارات حاسمة حتى الآن… لعل أبرزها :

أولا: قد يجري إسقاط المضمون الكامل للطلب الأمريكي، إذا نجح اختراق صيني روسي في تثبيت الحرس الثوري بوصفه شرطي الخليج الجديد، ضمن تفاهمات إقليمية مع السعودية لتقاسم الأدوار وفق نموذج العمودين، ولكن هذه المرة بعيدا عن المظلة الأمريكية.

ربما يمثل أسوأ الاحتمالات بالنسبة لبيوت التفكير الأمريكية، لأنه يعني الانتقال العملي نحو عالم متعدد الأقطاب، وخسارة واشنطن لاحتكارها التاريخي لإدارة موارد الخليج العربي الاقتصادية.

ثانيا: قد يحصل تفاهم أمريكي ضمني مع الحرس الثوري الإيراني، يصل إلى حدود تنظيم التواجد العسكري الأمريكي في مياه الخليج الفارسي، وتقديم ضمانات متبادلة بعدم التهديد، ضمن أي اتفاق نووي أو أمني جديد.

لا يقل هذا الاحتمال  قلقا داخل المؤسسات الأمريكية والإسرائيلية، خصوصا بعد النقاشات التي شهدها معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي حول مستقبل العلاقات الاستراتيجية بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية بعد هذه الحرب، وما فرضته من مراجعات عميقة في آليات التطبيق والتفكير السياسي والعسكري.

ثالثا: قد تدفع هيمنة الحرس الثوري، وتراجع تأثير الدولة الإيرانية الناعمة، دول الخليج العربي نحو تحالفات أمنية متعددة الأطراف، تضم روسيا ودولا أوروبية كبرى مثل بريطانيا وفرنسا، لضمان استمرار تدفق الطاقة عالميا، ومنع تحول الخليج إلى منطقة احتكار استراتيجي إيراني.

في هذا السياق، قد تعود القواعد البريطانية القديمة بصيغ جديدة، مع احتمالات ظهور حضور باكستاني أو تشكيل ما يشبه الناتو الإسلامي، بمشاركة مصرية ومغربية، بما يسمح بدخول القوات الأمريكية إلى الخليج تحت مظلات وتحالفات جديدة.

لكن مثل هذا التحول يحتاج إلى وقت طويل نسبيا، في مقابل تعطش السوق العالمية للنفط، وهو ما يمنح الحرس الثوري مساحة أوسع للمناورة والتشدد على طاولة المفاوضات.

رابعا: لا تبدو محاولة  الرئيس ترامب الربط بين أمن الطاقة والممرات البحرية من جهة، وبين الاتفاقات الإبراهيمية من جهة أخرى، مجرد فكرة عابرة، بل تبدو محاولة لإعادة إنتاج منظومة الدعم التقليدي لإسرائيل ضمن أي تسوية مقبلة، حتى وإن جاءت بصيغة مؤقتة أو مرحلية.

يمكن أن يحقق ترامب اختراقا مهما في هذا المسار، لأن قطر وتركيا تقيمان بالفعل علاقات مع إسرائيل من دون الانضمام الرسمي إلى الاتفاقات الإبراهيمية، وأي خطوة سياسية من أحد الطرفين قد تمنح واشنطن فرصة لتسويق أي تفاهم جديد مع إيران بوصفه نجاحا استراتيجيا.

خامسا: قد يكون السيناريو الإيراني المقابل هو الدفع بقيادات من الحرس الثوري، ولكن بالزي المدني ، إلى طاولة المفاوضات النووية، بما يعكس انتقال القرار الحقيقي من مؤسسات الدولة التقليدية إلى البنية العسكرية العقائدية بصورة أكثر وضوحا.

يحمل هذا السيناريو  إيجابيات وسلبيات متعارضة، ترتبط بصورة مباشرة بمستقبل ولاية الفقيه، وبهوية المرشد الحالي ، وطبيعة التوازنات داخل النظام الإيراني ذاته.

كلما تقدم الوقت، تتأكد حقيقة واحدة: إدارة مضيق هرمز بعد هذه الحرب لن تكون كما كانت قبلها، سواء عبر فرضيات الأمر الواقع أو عبر أي اتفاق محتمل مع الولايات المتحدة الأمريكية.

أما الخاسر الأكبر في كل هذه التحولات، فهي دول الخليج الفارسي، وفي مقدمتها العراق ثم الكويت، لأن المعركة الحقيقية لم تعد حول الملف النووي فقط، بل حول من يمتلك حق إدارة مدخل ومخرج امدادات الطاقة في الخليج الفارسي ، ومن سيكون شرطيه الجديد، وما طبيعة علاقته بالاتفاقات الإبراهيمية.؟؟

يبقى من القول..ولله في خلقه شؤون.!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *