الانتخابات الفلسطينية وحاجة البرنامج الوطني
الانتخابات، بمستوياتها كافة، جزء من العملية الديمقراطية، وهي حاجة وضرورة ماسة لكل الشعوب والتجمعات والأحزاب. وينطبق ذلك أيضاً على الشعب العربي الفلسطيني الواقع تحت نير الاستعمار الإسرائيلي، الذي مارس حقه الانتخابي عبر صناديق الاقتراع قبل قيام السلطة الوطنية وبعدها.
لقد جاء ذلك تكريساً لحق الشعب الفلسطيني وقطاعاته كافة في اختيار ممثليه في النقابات والبلديات والمجالس المحلية والمجلس التشريعي، كي يحملوا صوت الناس في المنابر المختلفة، ويدافعوا عن مصالحهم المطلبية والمهنية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية والثقافية والسياسية.
كما شكّلت الانتخابات الفلسطينية مدخلاً للتأصيل لبناء ركائز الدولة الفلسطينية المحتلة، والرد على المستعمرين الصهاينة الذين ينفون وجود الشعب العربي الفلسطيني واستقلاله، رغم أنه صاحب الأرض والتاريخ والموروث الحضاري في وطنه الأم، فلسطين.
الانتخابات في مواجهة مشروع التهجير
يعمل المشروع الاستعماري الإسرائيلي، ليل نهار، على طرد الشعب الفلسطيني وتهجيره قسراً، في واحدة من أوسع عمليات التطهير العرقي، استناداً إلى الشعار العنصري الرجعي: «أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض»، وبهدف تجفيف دور ومكانة الكيانية الفلسطينية.
وما الإبادة الجماعية الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني في جناحي الوطن، الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة، بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، إلا تكريس لخيار التطهير العرقي، المتلازم مع سلسلة من قرارات وقوانين الكنيست الإسرائيلية المعمقة لهذا الخيار، وخاصة في القدس الشرقية، العاصمة الفلسطينية.
وقد ترافقت هذه السياسات مع قرارات عسكرية وقضائية استعمارية، في خط متواز مع الاجتياحات والاقتحامات والتدمير والهدم، واستشراء الاستيطان الاستعماري الوحشي في عموم المحافظات الشمالية.
المخاطر الوجودية على الشعب والكيانية
تتسع عملية إجلاء أبناء الشعب الفلسطيني من مخيماتهم وقراهم ومدنهم، وإحلال قطعان المستعمرين مكانهم، مقرونة بجرائم وحروب تحمل أسماء وعناوين إجرامية، لبلوغ الهدف الأخطر على مصير الشعب الفلسطيني ومستقبله.
وباتت السكين الإسرائيلية على رقاب الفلسطينيين كافة، بما في ذلك الكيانية الفلسطينية نفسها، وحتى وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، الشاهد الرئيس على ملف اللاجئين منذ تأسست استناداً إلى القرار 302 لعام 1949، فضلاً عن غيرها من الانتهاكات وجرائم الحرب والإبادة الجماعية.
لذلك، لا يمكن النظر إلى الانتخابات الفلسطينية باعتبارها إجراءً إدارياً أو استحقاقاً دستورياً معزولاً.
فهي تجري في لحظة وجودية، حيث تتعرض الأرض والهوية والمؤسسات والذاكرة الوطنية لمحاولة اجتثاث شاملة.
الانتخابات خطوة لكنها ليست كافية
على أهمية الانتخابات بعناوينها المختلفة، فإن الشعب الفلسطيني، وهو يرحب بالمرسوم الرئاسي الجديد الصادر يوم الخميس 9 تموز/يوليو 2026،
لإجراء الانتخابات للمجلسين التشريعي والوطني في 28 تشرين الثاني/نوفمبر القادم، وتحديد الانتخابات الرئاسية في آذار/مارس 2027،
يدرك أن هذه الخطوة الهامة تبقى ناقصة وتحتاج إلى استكمال.
والاستكمال المطلوب لا يكون بالشعارات، بل من خلال الاتفاق مع الشخصيات المستقلة والقوى السياسية لصياغة برنامج إجماع وطني،
يستجيب لمواجهة التحديات الإسرائيلية الخطيرة والمتسارعة.
وبالتالي، لا يجوز إغماض العين القيادية في منظمة التحرير الفلسطينية وسلطتها الوطنية وحكومتها عن اشتقاق رؤية برنامجية جديدة ونوعية،
تحاكي اللحظة السياسية الأخطر في تاريخ الصراع الفلسطيني العربي الإسرائيلي الصهيوني.
لماذا نحتاج إلى برنامج جديد؟
إن البرنامج الذي تبناه المجلس الوطني في دورته الثالثة والعشرين عام 2018 لم يعد يفي بالمتطلبات الوطنية لكسر حدة التغول والاستشراس الإسرائيلي، الذي فاق كل احتمال.
فاللحظة الراهنة تتطلب قراءة واقعية ونوعية، تملك ميكانزمات وآليات عمل مؤهلة لإعادة الاعتبار للمشروع الوطني
، ولمقاومته الشعبية، وللنظام السياسي الفلسطيني التعددي، بما يصون الحقوق والمصالح الوطنية العليا.
ومن هنا، فإن الانتخابات الفلسطينية يجب ألا تكون مجرد خطوة إجرائية، بل بداية لمسار سياسي وبرنامجي جديد
. فالصندوق مهم، لكنه لا يكفي من دون رؤية جامعة، وقيادة موحدة، وخطة عمل قادرة على مواجهة التحديات الميدانية والسياسية والدبلوماسية.
أولاً: الحوار الوطني واستعادة الوحدة
أول وأهم خطوة في البرنامج هي فتح أبواب الحوار الوطني الشامل، ليشكل رافعة لإعادة الاعتبار للوحدة الوطنية،
على أساس الشراكة السياسية المقبولة من الكل الفلسطيني.
ويجب أن يقود هذا الحوار إلى توحيد جناحي الوطن تحت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية،
الممثل الشرعي والوحيد، بعد طي صفحة الانقلاب الحمساوي الأسود في قطاع غزة.
فالوحدة الوطنية ليست شعاراً للاستهلاك السياسي، بل شرط وجودي لمواجهة المشروع الإسرائيلي،
ولإعادة بناء الثقة بين الشعب ومؤسساته، ولمنع أي محاولة لتجزئة القضية الفلسطينية أو تحويلها إلى ملفات منفصلة.
ثانياً: غزة والمساعدات ووقف التهجير
الخطوة الثانية هي تأمين إدخال المساعدات الإنسانية كافة لأبناء قطاع غزة، ووقف التهجير القسري في جناحي الوطن، والشروع بإعادة الإعمار في القطاع.
فغزة ليست ملفاً إنسانياً منفصلاً عن المشروع الوطني، بل جزء أصيل من وحدة الأرض والشعب والقضية.
ولذلك، لا يجوز التعامل مع الإغاثة والإعمار بوصفهما بدائل عن السياسة، بل بوصفهما جزءاً من برنامج وطني شامل يحمي الناس ويثبتهم في أرضهم.
كما أن وقف التهجير القسري يجب أن يكون أولوية مركزية، لأن أي تفريغ ديمغرافي للأرض الفلسطينية يعني عملياً ضرب جوهر المشروع الوطني وحق الشعب في تقرير مصيره.
ثالثاً: المقاومة الشعبية بخطة موحدة
الخطوة الثالثة هي تصعيد المقاومة الشعبية وفق خطة وطنية شاملة، وتحت قيادة واحدة،
وبآليات عمل موحدة، مع رصد الموازنات المالية الملائمة لتأمين استمراريتها وتصعيدها في المحافظات والمدن والقرى والمخيمات والخرب كافة.
فالمقاومة الشعبية لا تنجح بالعفوية وحدها. إنها تحتاج إلى تنظيم، وقيادة، وبرنامج، وأدوات، وموارد، واستمرارية.
كما تحتاج إلى ربطها بالعمل السياسي والدبلوماسي والقانوني، حتى تصبح جزءاً من استراتيجية وطنية متكاملة.
وبذلك، تتحول المقاومة الشعبية إلى رافعة لصمود الناس، لا مجرد رد فعل مؤقت على جريمة أو عدوان.
رابعاً: إصلاح المؤسسات والوزارات
الخطوة الرابعة هي تطوير آليات العمل في المؤسسات والوزارات والهيئات الحكومية،
وإحداث الإصلاح الوطني المطلوب، لا الإصلاح المفروض على القيادة والشعب من قبل القوى المتواطئة مع دولة إسبرطة الإسرائيلية.
فالإصلاح الحقيقي يجب أن ينبع من الحاجة الوطنية، لا من شروط الخارج.
ويجب أن يكون هدفه تحسين الأداء، وتعزيز الثقة، وترسيخ سيادة القانون، وتوفير الخدمات، وحماية القرار الوطني من الابتزاز السياسي والمالي.
ولا يمكن لأي برنامج انتخابي أو سياسي أن ينجح إذا بقيت المؤسسات عاجزة أو مترهلة أو محكومة بمنطق المحاصصة والولاءات الضيقة.
خامساً: مكافحة الفساد وتفعيل النزاهة
الخطوة الخامسة هي تطهير المؤسسات والوزارات من مظاهر الفساد كافة،
وتفعيل مؤسسة النزاهة والشفافية لتطال الجميع دون استثناء، بغض النظر عن الأسماء والمواقع.
فالفساد لا يضعف الإدارة فقط، بل يضرب الثقة الشعبية، ويمنح الخصوم مادة للتشويه،
ويستنزف موارد الشعب في لحظة يحتاج فيها الفلسطينيون إلى كل إمكاناتهم للصمود والمواجهة.
ومن هنا، فإن مكافحة الفساد ليست بنداً إدارياً، بل شرط سياسي ووطني لحماية مصالح الشعب
، وإعادة الاعتبار للمؤسسات الفلسطينية في الداخل والخارج.
سادساً: استعادة أموال المقاصة
الخطوة السادسة هي إيجاد الوسائل والسبل الوطنية والقومية والأممية لاستعادة أموال المقاصة كافة،
وهي أموال الشعب الفلسطيني، من خزائن حكومة بنيامين نتنياهو، التي نهبتها وتنهبها على مدار الساعة، وعلى مرأى ومسمع العالم أجمع.
فلا يمكن الحديث عن سلطة وطنية قادرة على القيام بواجباتها، بينما تُحرم من مواردها الأساسية.
كما لا يجوز ترك هذا الملف رهينة الابتزاز الإسرائيلي المستمر.
وتتطلب استعادة أموال المقاصة تحركاً سياسياً وقانونياً ودبلوماسياً واسعاً،
يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته تجاه قرصنة مالية تطال حقوق الشعب الفلسطيني ومؤسساته.
سابعاً: حماية الأونروا وحق اللاجئين
الخطوة السابعة هي حماية دور ومكانة وكالة «الأونروا» من التبديد، وتعزيز عملها بما يصون ويحمي حق اللاجئين الفلسطينيين في الوطن والشتات،
وحيثما وجد لاجئ فلسطيني، في العودة إلى دياره التي طُرد منها وفق قرار الشرعية الدولية 194.
فالأونروا ليست مجرد مؤسسة خدماتية، بل شاهد دولي على قضية اللاجئين، وعلى الجريمة التاريخية التي أنتجت الشتات الفلسطيني.
ولذلك، فإن استهداف الأونروا هو استهداف للذاكرة والحق والهوية، ومحاولة لشطب ملف اللاجئين من جدول العدالة الدولية.
ثامناً: شبكة أمان عربية
الخطوة الثامنة هي تعميق وتعزيز العلاقات مع الدول العربية الشقيقة دون استثناء، رغم أية ملاحظات أو عتب هنا أو هناك.
كما يجب مطالبة الدول الشقيقة بتأمين شبكة أمان مالية للسلطة الوطنية، أي الدولة الفلسطينية، وفق قرارات القمم العربية المختلفة.
فالعلاقة العربية الفلسطينية لا يجوز أن تبقى رهينة الظرف السياسي أو الخلافات العابرة.
فالتهديدات التي تواجه الشعب الفلسطيني ليست محلية فقط، بل تمس الأمن القومي العربي كله، وتستدعي موقفاً عربياً جدياً ومسؤولاً.
تاسعاً: تحالف دولي وحرب قانونية
الخطوة التاسعة هي بناء جسور لتحالف دولي داعم ومؤيد لخيار حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967، وخاصة مع الدول التي تبنت مخرجات مؤتمر نيويورك 2025.
كما يجب تطوير ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين، من سياسيين وعسكريين، أمام المحكمة الجنائية الدولية،
وتفعيل دور الحرب القانونية على الصعيد الدولي، دعماً للحقوق والمصالح الفلسطينية.
فالقانون الدولي ليس بديلاً عن النضال الوطني، لكنه ساحة مهمة يجب استثمارها بجدية،
لأنها تكشف الجرائم، وتراكم العزلة، وتدفع العالم إلى تحمل مسؤولياته.
عاشراً: استثمار التحول في الرأي العام العالمي
الخطوة العاشرة هي الاستفادة من التحول النوعي في الرأي العام العالمي الداعم للقضية الفلسطينية،
لتعزيز صمود الشعب وثباته على أرض الدولة الفلسطينية المحتلة عام 1967.
كما يجب تعميق عزل ونبذ الدولة الإسرائيلية عالمياً، أسوة بما حصل مع جنوب أفريقيا قبل إزالة نظام الفصل العنصري.
فالعالم يشهد تحولات مهمة في الجامعات، والنقابات، والمؤسسات المدنية،
والرأي العام، وهذه التحولات يجب ألا تُترك عفوية، بل تحتاج إلى عمل فلسطيني منظم، يخاطب الشعوب والبرلمانات والحكومات، ويحوّل التعاطف إلى ضغط سياسي وقانوني واقتصادي.
الانتخابات بوابة لا نهاية الطريق
إن الانتخابات الفلسطينية خطوة مهمة، لكنها ليست نهاية الطريق. فالشعب لا يحتاج إلى صندوق اقتراع فقط، بل إلى برنامج وطني جامع،
قادر على مواجهة الإبادة، والتهجير، والاستيطان، والحصار المالي، واستهداف الأونروا، وتفتيت الوحدة الوطنية.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل تجري الانتخابات أم لا؟ بل:بأي برنامج وطني ستجري؟وبأي وحدة سياسية؟وبأي أدوات مقاومة شعبية وقانونية ودبلوماسية؟وبأي مؤسسات نظيفة وفاعلة؟
إن الانتخابات خطوة، لكن فلسطين تحتاج إلى برنامج. برنامج يعيد الاعتبار للمشروع الوطني، ويوحد الشعب، ويحمي الحقوق، ويواجه أخطر مرحلة في تاريخ الصراع.


