عراق جديد.. يولد خارج الاصطفافات!

عراق جديد.. يولد خارج الاصطفافات!
يناقش الطرح أزمة الهوية السياسية في العراق وسط صراع المحاور الإقليمية، ويطرح فكرة “العراق أولاً” كمشروع وطني معطل، مع تصاعد الدعوات لتغيير النظام السياسي وبناء تحالفات عابرة للطوائف تمهيداً لولادة عراق أكثر استقلالاً وتوازناً...

ليس من المستغرب كل هذا الصخب المتعالي عن انتصارات إيرانية في حرب “الوجود” ضد الصهيونية الأمريكية الإسرائيلية، فيما ما تزال هذه الحرب المتسارعة مفتوحة على احتمالات متعددة ولم تضع أوزارها بعد.

لكن المستغرب حقا، أن يفقد كثير من الساسة بوصلة عراق واحد وطن الجميع، بعد انغماس كامل في معاطف الاصطفافات الإقليمية، بين ولاية الفقيه، والحاضنة العربية، والعثمانية الأردوغانية. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ما تزال هناك بدائل عراقية ممكنة خارج هذه المحاور؟

منذ سقوط الدولة البابلية الثالثة بحدود عام 536 ق.م، وبلاد الرافدين تعيش صراعا دائما للدفاع عن وجودها الاستراتيجي وسط تنازع القوى الإقليمية والدولية. ثم جاءت التحولات الكبرى في القرن العشرين، لاسيما بعد اتفاقيات سايكس ـ بيكو، لترسم حدودا جديدة أراد لها المنتصرون في الحربين العالميتين أن تتحول إلى قواعد ثابتة في القانون الدولي وموازين المصالح عبر مفهوم الدولة الوطنية.

وسط هذا التعقيد التاريخي، وجد العراق نفسه أمام استحقاقات إقليمية ودولية متشابكة، فحاولت العقلية السياسية العراقية استيعاب تلك التوازنات عبر نماذج سياسية معروفة ارتبطت بالمرحوم نوري السعيد. غير أن متغيرات الحرب الباردة، وصعود المد الشيوعي ثم القومي، وصولا إلى الإسلام السياسي، دفعت العراق تدريجيا إلى التحول من دولة فاعلة في محيطها إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.

هكذا جاءت الحرب الإيرانية ـ العراقية، ثم حرب الكويت، ثم الاحتلال الأمريكي للعراق، لتؤكد أن الدولة العراقية ظلت تدفع ثمن موقعها الجيوسياسي أكثر مما استفادت منه.

اليوم، وفي خضم هذا الواقع المتأزم، يبدو الحديث عن “العراق أولا” محاولة للبحث عن مخرج وطني، لكنه ما يزال شعارا فضفاضا تصطدم تطبيقاته بوقائع أكثر تعقيدا على الأرض، حيث تتداخل الأجندات الحزبية مع الولاءات الخارجية داخل سلطة هجينة تعاني تناقضات عميقة.

ففي الداخل، ما تزال مساعي الانفصال الكردية حاضرة بأشكال مختلفة، حتى ضمن سياسات الإقليم داخل الحكومة الاتحادية. وفي الخارج، تحاول بعض القوى الخليجية إعادة تقديم العراق بوصفه “البوابة الشرقية” في مواجهة النفوذ الإيراني المتجدد، فيما تواصل قوى أخرى الترويج لفكرة الارتباط العقائدي والسياسي بولاية الفقيه باعتبارها ضمانة للحاكمية الشيعية في عراق المستقبل.

مع فشل المحاولات المتكررة لبناء تحالفات سياسية عابرة للطوائف والقوميات، بقيت فكرة “العراق أولا” عاجزة عن التحول إلى مشروع دولة حقيقي يمتلك أدوات التنفيذ والإرادة السياسية.

لكن التحولات الاجتماعية والسياسية المتراكمة داخل العراق تشير إلى أن مرحلة ما بعد 2003 تقترب تدريجيا من لحظة مراجعة كبرى. وإذا كانت انتفاضة تشرين قد وجهت ضربة قوية لأسس النظام السياسي التقليدي، فإن التظاهرات المتصاعدة للخريجين والعاطلين أمام حقول النفط وأبواب المنطقة الخضراء قد تكون مؤشرا على مرحلة أكثر جرأة في المطالبة بإغلاق “الكتاب القديم” للعملية السياسية.

ربما يقود ذلك مستقبلا إلى ولادة تحالفات انتخابية جديدة تتجاوز الانقسام الطائفي والقومي، بالتوازي مع دعوات متزايدة لإعادة النظر في شكل النظام السياسي، عبر تعديلات دستورية جوهرية قد تصل إلى انتخاب رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء مباشرة ضمن العملية الانتخابية العامة.

من القراءة الواقعية للمشهد الحالي، فإن القوى القادرة على التعامل مع “الكتاب الجديد” لن تكون بالضرورة خارج النظام القائم بالكامل، بل ربما تخرج من داخله أيضا، سواء عبر التيار الصدري أو بعض القوى السياسية الأخرى التي تمتلك قدرة أكبر على التكيف مع متغيرات المرحلة المقبلة، إلى جانب قوى شبابية ومدنية ما تزال تبحث عن مشروع وطني جامع.

مع ترقب نتائج المفاوضات النووية الإيرانية وما يمكن أن تفرضه من إعادة رسم لمعادلات الشرق الأوسط، يبدو العراق أمام فرصة تاريخية نادرة لإعادة تعريف موقعه السياسي بعيدا عن منطق المحاور والاصطفافات.

السؤال الأهم: هل تمتلك قوى “الكتاب القديم” القدرة على منع ولادة العراق الجديد، أم أن التحولات المقبلة ستكون أكبر من قدرة الجميع على الاحتواء؟

سؤال تبدو الأشهر المقبلة وحدها قادرة على الإجابة عنه، وسط عراق يقف عند مفترق طرق تاريخي، بين استمرار الدولة بوصفها ساحة للآخرين، أو ولادتها من جديد كوطن للجميع.

ويبقى من القول: لله في خلقه شؤون.!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *