صباح الخياط الرجل الذي اخترق عائلة صدام بأكملها ( الحلقة الثانية)

صباح الخياط واختراق عائلة صدام وأجهزة الدولة
الحلقة الثانية من قصة صباح الخياط، الرجل الذي اخترق عائلة صدام حسين، واقترب من فاضل البراك، وفتح عبر الهدايا والمصالح أبواب الأجهزة الحساسة في العراق...

صباح الخياط وبداية خيط الاختراق

في الحلقة الماضية، بدأنا الحديث عن قصة إعدام فاضل البراك، وكشفنا أن السبب الحقيقي، وفق هذه الرواية، لم يكن مجرد خيانة عابرة، بل كان نتيجة صراع عائلي داخل أسرة صدام حسين، وتداعيات علاقة خطيرة جمعت البراك برجل يدعى صباح علي محمد الخياط.

لكن من هو صباح الخياط؟ وكيف تمكن هذا الرجل من اختراق أعلى هرم أمني في العراق، والوصول إلى صدام حسين وعائلته، ثم الإفلات من العقاب فترة طويلة؟

بحسب وثائق التحقيق التي عرضها الباحث فاضل أبو رغيف، يظهر صباح الخياط بوصفه رجلاً متعدد الهويات والولاءات. وُلد لعائلة عراقية، وتشير الرواية إلى أن والدته كانت يهودية، مما جعله، وفق هذا السرد، مزدوج الانتماء في نظر الأجهزة التي حققت في ملفه لاحقاً.

من الكلية الجوية إلى موسكو

تخرج صباح الخياط من الكلية الجوية العراقية في الستينيات، وعمل ضابطاً في القوة الجوية. غير أن مساره المهني تغيّر تماماً عندما سافر إلى الاتحاد السوفيتي.

في موسكو، التقى صباح بفالنتينيا إيفانوف، وهي، وفق الرواية ذاتها، مجندة في المخابرات السوفيتية، ثم تزوجها. وكانت هذه الزيجة نقطة تحول كبيرة في حياته؛ إذ أصبح، منذ تلك اللحظة، مرتبطاً بالاستخبارات السوفيتية.

بعد عودته إلى العراق، أُحيل إلى التقاعد عام 1969 بشكل مفاجئ. ثم سافر مرة أخرى إلى ألمانيا، حيث استقر في ميونيخ. وهناك، بدأت مرحلة أكثر خطورة في حياته، إذ انخرط، بحسب وثائق التحقيق، في شبكات تجسس أوسع، وبدأ العمل مع الموساد والمخابرات الألمانية الغربية.

صباح الخياط في ألمانيا: صناعة الغطاء

ما فعله صباح الخياط في ألمانيا كان، وفق هذه الرواية، نموذجاً للتجسس الاحترافي. فقد بدأ بالتردد على السفارة العراقية في بون، وتقرب من السفير والملحقين العسكريين والتجاريين.

كانت طريقته ذكية ومتدرجة. بدأ بالهدايا البسيطة، ثم انتقل إلى هدايا ثمينة، حتى نجح في زرع حزام إلكتروني داخل السفارة، ونصب كاميرات مراقبة ومعدات تنصت.

كما كوّن علاقة قوية مع الملحقية العسكرية، وعرض على العاملين فيها تزويدهم بكل ما يحتاجون إليه. وهؤلاء، من دون أن يعرفوا حقيقته، استقبلوه بحفاوة، باعتباره عراقياً وضابطاً سابقاً.

وفي عام 1981، حصل صباح الخياط على الجنسية الألمانية. ومن هنا بدأ فصله الأخطر: العودة إلى العراق.

العودة إلى العراق وبوابة أرشد الياسين

عندما عاد صباح الخياط إلى العراق في نوفمبر 1981، كان يعرف بالضبط ما يريد. بدأ بالتقرب من أسعد الياسين، شقيق أرشد الياسين، صهر صدام حسين.

وكان أرشد الياسين مولعاً بالتحف والهدايا الثمينة، فكانت هذه نقطة الدخول المثالية. قدّم صباح لأرشد مجموعة من التحف والأحجار الكريمة القديمة، فأعجب بها، ووعده بتسهيل كل أموره في العراق.

وهكذا بدأ الصعود: من أرشد الياسين إلى عدي وقصي، ثم إلى ساجدة خير الله، زوجة صدام حسين. كان ما فعله صباح الخياط محسوباً واستراتيجياً، لأنه لم يدخل من بوابة السياسة مباشرة، بل من بوابة الهدايا والذوق والترف العائلي.

معرض بغداد الدولي والهدايا الثمينة

افتتح صباح الخياط جناحاً كبيراً في معرض بغداد الدولي، واستورد تحفاً خشبية ثمينة من خشب الساسم والزان الأحمر والبورمي.

أُعجب عدي حسين بهذه القطع، فأهداه صباح أضخمها من دون أن يأخذ ثمناً. ولم يتوقف الأمر عند عدي، بل أهدى ساجدة خير الله مجوهرات من الألماس، حتى وصل إلى قلب العائلة كلها.

بهذه الطريقة، لم يكن صباح الخياط مجرد تاجر تحف أو رجل أعمال عابر. فقد بنى شبكة ثقة داخل العائلة الحاكمة، وجعل الهدايا مدخلاً إلى النفوذ، ثم جعل النفوذ طريقاً إلى الأسرار.

الطريق إلى فاضل البراك

بعد أن اخترق صباح الخياط عائلة صدام، كان الطريق إلى فاضل البراك ممهداً. لكنه لم يصل إليه مباشرة، بل استخدم وسيطاً هو العقيد المتقاعد طارق غالب، الذي كان صديقاً للبراك منذ أيامه في مديرية الأمن العام.

عزز صباح علاقته بفاضل البراك عبر تقديم الهدايا، والمشروبات الفاخرة، والسجائر، والعطور. ثم انتقل إلى مرحلة أكثر إغراءً، فعرض عليه مشاريع تجارية ضخمة: أفراناً للخبز والمعجنات، وأسواقاً تجارية، ومطاعم، ومحلات أزياء، وحتى مولاً في منطقة الكرادة.

ولم يكتفِ بذلك، بل جعله شريكاً في الأرباح بنسبة 50%، من دون أن يدفع البراك أي مبلغ. وفي دفعة أولى، أعطاه 32 ألف دينار من أرباح الأفران وحدها. وقد فاجأ المبلغ البراك، لكنه قبله، وهو ما جعله أكثر ارتياحاً للتعامل مع صباح.

أخطر مرحلة: أجهزة التجسس داخل الدولة

ما فعله صباح الخياط مع فاضل البراك كان أخطر ما في القصة. فقد تمكن، بحسب الرواية، من تسهيل دخول أجهزة تجسس إلى أعمق مرافق الدولة العراقية.

طلب صباح من البراك أن يزوده بمخططات جهاز المخابرات، والأمن العام، ووزارة الدفاع، بحجة تجهيز أجهزة مراقبة تتناسب مع طبيعة المباني. وافق البراك، وسلمه مخططات مفصلة لكل شيء: المكاتب، والغرف، والممرات، والمداخل، والمخارج.

بعد ذلك، بدأ تجهيز الجهاز بأجهزة تنصت ألمانية الصنع. ووفق ما ورد في التحقيقات المنقولة، لم يترك صباح مكاناً إلا وزُرع فيه جهاز: المكاتب، والكراسي، والطاولات، وحتى المطابخ ودورات المياه.

مديرية المعمل وكاميرات المرايا

أسس صباح ما عُرف باسم «مديرية المعمل» في الأمن العام، وهي الجهة التي كانت مسؤولة عن نصب أجهزة التنصت، وتجهيز مفاتيح قادرة على فتح أي خزنة أو غرفة، وتركيب كاميرات في الفنادق عبر مرايا خاصة.

كان هذا الاختراق، إذا صحت تفاصيله، يتجاوز حدود التجسس التقليدي. فهو لم يكن مجرد نقل معلومة، بل بناء بنية تنصت كاملة داخل أجهزة الدولة، ومن خلال غطاء رسمي وأمني وفّره قربه من فاضل البراك.

لكن الطامة الكبرى كانت عندما سمح له البراك بدخول المفاعل النووي العراقي. هناك، حصل صباح على خرائط كاملة عن المفاعل، وقام بتصوير كل شيء، ثم أرسل المعلومات إلى الموساد، وفق الرواية التي عرضتها وثائق التحقيق.

كيف سمح فاضل البراك بكل ذلك؟

السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: كيف سمح فاضل البراك، رئيس جهاز المخابرات، لكل هذا أن يحدث؟

الإجابة، وفق هذه الرواية، تكمن في أمرين. أولاً، كان البراك يظن أن صباح الخياط مجرد تاجر ثري يساعده في تنفيذ مشاريعه، لا جاسوساً يعمل ضمن شبكة دولية معقدة.

ثانياً، كان البراك منغمساً في مكاسبه الشخصية. فقد كان، بحسب الرواية، طماعاً، يحب المال والنساء، وتم تصويره في أفلام مع نساء من قبل المخابرات الألمانية، مما جعله لاحقاً تحت الضغط والتهديد.

وهكذا، التقت الطموحات الشخصية مع الاختراق الأمني، فكانت النتيجة واحدة من أخطر القصص في تاريخ الأجهزة العراقية.

التحذير الذي لم يُسمع

كان محمد خضير صباح الحلبوسي الوحيد الذي شك بصباح الخياط منذ البداية. رفع تقريراً إلى فاضل البراك يحذره فيه من هذا الرجل، لكن البراك وبخه، وقال له: «هذا عراقي وهذا ضابط، ما هذه الخرابيط؟».

غير أن السنوات اللاحقة أثبتت، بحسب الرواية، أن شكوك الحلبوسي لم تكن وهماً. فقد ظهر أن صباح الخياط كان يعمل لحساب ثلاث جهات في آن واحد: الاتحاد السوفيتي، وألمانيا، والموساد الإسرائيلي.

وكان هدفه الأساسي هو الموساد، وكانت المعلومات التي سربها عن المفاعل النووي العراقي من أخطر ما سُرب في تلك المرحلة.

صباح الخياط ومعنى الاختراق الكامل

تكشف قصة صباح الخياط، كما ترويها وثائق التحقيق المنسوبة إلى هذا الملف، أن الاختراق لا يحدث دائماً عبر العداء المكشوف، بل قد يبدأ بهدية، أو علاقة تجارية، أو تحفة ثمينة، أو وعد بالأرباح.

لقد اخترق صباح الخياط العائلة، ثم الأجهزة، ثم المرافق الحساسة، مستفيداً من الطمع، والترف، والثقة الساذجة، والصراعات الداخلية. ومن هنا، لا تبدو قصته مجرد حكاية جاسوس نجح في خداع مسؤول أمني، بل نموذجاً لكيف يمكن أن تتحول هشاشة الأشخاص إلى ثغرة في أمن الدولة كلها.

إن الحلقة الثانية من هذه القصة لا تشرح فقط كيف اقترب صباح الخياط من فاضل البراك، بل تكشف كيف يمكن لشبكة من الهدايا والمصالح والضعف الشخصي أن تفتح أبواب القصور والأجهزة والمفاعلات، حين يغيب الوعي الأمني، وتغلب المصلحة الخاصة على مسؤولية الدولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *